العراق.. التعليم يعيش كارثة حقيقية

لنتفق على أن الأنظمة التي سبقت الاحتلال كانت دكتاتورية، ولكن من ينكر أن تلك الأنظمة أنتجت علماء يملأون أرجاء العالم الآن.
الثلاثاء 2018/09/11
عوامل عديدة أسهمت في الحط مِن مستوى التعليم في العراق

من بين أكثر ما كان العراق يفاخر به هو مستوى مدارسه وجامعاته، التي حصدت سمعة طيّبة في العالم، حتى يوم الاحتلال الأميركي له في التاسع من أبريل 2003، وبعده، دبّ الخراب في التعليم، كما دبّ إلى كل شيء.

وواضح أن هذا الخراب ممنهج ومقصود، والنيل من التعليم كان هدفا أساسيا للأميركيين والجهلة، وإلا ما معنى التراجع الهائل في التعليم، الذي أظهره تصنيف التايمز للجامعات العالمية لعام 2018، إذ فشلت الجامعات العراقية في دخول هذا التصنيف، لا سيما وأن تصنيف الأداء الجامعي العالمي يعد من أفضل التصنيفات العالمية وأهمها للحكم على إمكانات الجامعات، فهو يستخدم 13 مؤشر أداء ومعيارا للحكم.

نعم، لم تدخل ولا جامعة عراقية في هذا التصنيف الرائد، في وقت تمكنت 30 جامعة عربية من دخوله، إذ دخلته مصر بتسع جامعات، والسعودية بخمس، والإمارات بأربع، والأردن والمغرب بثلاث جامعات لكل منهما، وتونس بجامعتين، والكويت وسلطنة عمان وقطر والجزائر بجامعة لكل منها.

وعندما أقول إن الخراب الذي اقتيد إليه العراق كان مقصودا وممنهجا، فإني أستند إلى أن العراق، بعد الاحتلال، اعتبر من الدول الفاسدة والفاشلة، وذلك يعني، بالدرجة الأساس، انهيار التعليم فيه، والذي يعد المعيار الأول لقياس نهضة أي مجتمع من المجتمعات أو تراجعه. فقد عمدوا إلى إقحام مناهج بديلة وضعت على أساس التجزئة، واستحدثوا رقابة داخل وزارتي التربية والتعليم العالي لمتابعة تنفيذ استراتيجية التجهيل المعرفي، وأحلت ظاهرة تزوير الشهادات الجهلاء في مواقع القيادة التربوية والعلمية، وابتدعوا لعبة التعادل العلمي للشهادات لإحلال أنصار ولاية الفقيه الإيرانية محل الكفاءات الأكاديمية العراقية الرصينة، واخترقوا التعليم بمستوياته كافة، ولم يكتفوا بذلك وإنما أصبحت هناك وكالات لإعداد الشهادات العالية مقابل مبلغ من المال. إذ تباع شهادة الماجستير بمبلغ 5 آلاف دولار والدكتوراه بـ7500 دولار. ومكاتب هذه الوكالات في باب المعظم وسط بغداد معروفة لطلبة الدراسات، وأحلوا الخرافات والأساطير لصرف الانتباه عن الثقافة وعن الإبداع واستمروا في سياسة التجهيل، وشنوا الحملات البربرية ضد العقل العراقي وضد الأكاديميين والأطباء والعلماء، ما أدى إلى هجرة أعداد هائلة من المربين والأساتذة.

كما أن الرشوة والتدافع الطائفي والمحاصصة كانت عوامل أخرى أسهمت في الحط مِن مستوى التعليم.

إن ما يتم إنفاقه على التعليم الأولي والعالي لا يرقى إلى 25 بالمئة مما ينفق على الرئاسات الثلاث، منذ 2003 وحتى هذا العام 2018، علما أن تخصيصات التعليم تنخفض سنويا وتزداد تخصيصات الرئاسات الثلاث بسبب الفساد المالي والإداري.

لنتفق معهم على أن الأنظمة، التي سبقت الاحتلال كانت دكتاتورية ولا مكان للديمقراطية فيها، ولكن من ينكر أن تلك الأنظمة أنتجت علماء يملأون أرجاء العالم الآن، ومن يمتلك الشجاعة ليقنعنا أن (ديمقراطيتهم) أنتجت عالما واحدا فقط؟

إن تطور التعليم مرتبط بالنظام السياسي وأيديولوجيته، وبسبب المحاصصة يعاني النظام الحالي من إرباك في هويته وضياع لها، وذلك ينعكس حتما على مجمل العملية التعليمية في العراق، وعلى المناهج الدراسية، التي هي اليوم في أحط مفاهيمها وأهدافها التربوية، كما انعكس هذا الأمر على الأداة، التي تقود التعليم، بدءا من معلمي ومعلمات رياض الأطفال صعودا إلى مراحل التعليم التمهيدي والابتدائي والمتوسط والإعدادي والمعاهد والجامعات. كذلك انعكس على المستلزمات التربوية، وفي مقدمتها الأبنية المدرسية والمعاهد والكليات والجامعات ومدى تلبيتها للحاجة في الظرف الراهن. ثم الوسائل التعليمية والمختبرات وغيرها، التي تدهورت ولم يعد بإمكانها متابعة أحدث المستجدات والتطورات في العملية التعليمية والتربوية. وأهملت عملية تأهيل الهيئات التعليمية والتدريسية والأساتذة بما يناسب التطور في المجالات التربوية المختلفة في العالم المتطور ويجاريه. وكان النظام التربوي يبدأ من الابتدائية، وهي  مرحلة التعليم لكل من يبلغ سن السادسة. وإذا تخلف الآباء عن تسجيل أبنائهم في المدارس، فإن رؤساء الوحدات الإدارية في المحافظات كانوا يتخذون الإجراءات القانونية ضد هؤلاء الآباء. ذلك فضلا عن حملة مكافحة الأمية، التي شهدها العراق في سبعينات القرن الماضي، والتي جعلت العراق يتفوق، آنذاك، على دول المنطقة في تقدمه بالمجال التربوي باعتراف المنظمات الدولية.

واضح من ذلك كله، وحسب آراء خبراء، تحدثت معهم، أن العراق يمر بكارثة حقيقية على مستوى التعليم وفي المستويات كافة ولا أمل في إنقاذه، في رأيهم، إلا بتغيير العملية السياسية القائمة على المحاصصة وإزالة الحكام والسياسيين الفاسدين الذين دمروا العراق طوال الـ15 سنة الماضية. وتقتضي إعادة تأهيل العراق عودة الكفاءات العراقية المشردة وفسح المجال أمامها لتسلم مواقعها في الحكومة ومؤسسات الدولة، وضرب الفاسدين ومحاسبتهم، وتوفير الأمن والأمان وتطهير أجهزة الدولة من الفاسدين والمزورين والجهلاء من الأميين ليعود التعليم وجميع مفاصل الدولة إلى سابق العهد وأفضل بتطبيق القوانين التربوية، وتهيئة الإدارة التربوية الكفؤة وتهيئة جميع المستلزمات التربوية المتطورة من أبنية وأجهزة ووسائل إيضاح ومختبرات والاهتمام بابتعاث الطلبة والعلماء ومشاركة العالم المتطور في البروتوكولات في المجالات التربوية، وإلا فإن ما عدا ذلك يظل حديث خرافة، ولن يعود العراق إلى منزلته الحقيقية من دونه.

17