العراق: الخط الثالث والطابور الخامس

الخميس 2015/08/13

يهتم العرب بأوضاع العراق راهنها ومستجدها، لا فقط لأنه دولة كبرى، في عرف التاريخ والجغرافيا، بل لأنه مدار معارك كبرى، وميادين صراع ضار بين قوى إقليمية كبرى جاءت بعدتها وعتادها وأعوانها إلى العراق لتدعيم نفوذ أو افتكاك آخر.

يتابع العرب الحراك العراقي الأخير، على اقتصاره على مدن دون غيرها، لأنه يتجاوز مجرد الاعتمال الشعبي على رداءة وضع أو تقصير حكومة أو نكث وعود، ليستحيل إدانة كاملة لسياسات برمتها مورست طيلة عقدين من لحظة الاحتلال إلى اليوم. حراك الكهرباء في العراق والاحتجاجات الشعبية المنادية بفتح ملفات الفساد، هي بداية تعبير شعبي عن رفض السياسات الطائفية القائمة التي أفرزت الفساد والمحسوبية والزبونية والبيروقراطية ورداءة الخدمات وصولا إلى تصدر العراق لقائمة أكثر الدول فسادا وفشلا وعاصمته أكثر مدن العالم خطرا وأكثرها عرضة للمخاطر الأمنية والإرهابية (المراتب الست الأولى في القائمة تصدرتها مدن عراقية، وهي بغداد والموصل والرمادي وبعقوبة وكركوك والحلة).

قراءات عديدة تجمع على أن السبب في تردي الوضع العراقي يعود بديهيا إلى إدارته بمنطلقات طائفية أهملت الوطن وأعلت الطائفة والمذهب، وتوصلت إلى أن ذلك متصل بأن الأحزاب الدينية، كما شأنها في كل التجارب الماضية والقادمة، لا تسعفها أيديولوجياتها بنظر آخر غير هذا القصور. وبما أن الحل يكون دائما مشتقا من السبب، والظاهرة لا تزول إلا بزوال أسبابها، فإن الحل في العراق (أو الحل العراقي) يكمن في صعود طبقة سياسية ثالثة، لا شيعية ولا سنية، تقطع مع ضوابط ومعايير المشهد السياسي الراهن التي هُندست خارج العراق، وتبدأ بإرساء قواعد سياسية جديدة ترى الوطن بعدا مشتركا، والمذهب خصوصية ذاتية.

الخط الثالث الذي مازال مفقودا (أو ضعيفا تفاؤلا) هو الخط القادر على أن يدير دفة السياسة العراقية نحو وجهتها الحقيقية، أي الوطن. البيّنة على ذلك الأصوات الشعبية المتعالية في الأيام الأخيرة، الرافضة للنظرة الطائفية المهيمنة على المقاليد منذ الاحتلال. شعارات من قبيل “باسم الدين سرقونا الحرامية” و“لا سنية لا شيعية تسقط شلة الحرامية”، و“يا منطقة خضراء نسقطكم بالكهرباء” وغيرها، أبانت عن أن الشعب بدأ يتفطن إلى أن المشكلة ليست في وجود الطائفة، بل إن المشكلة كامنة في الحكم بمسوغات طائفية، وأكدت ضرورة التفكير في تشكيل “جنس” جديد من الساسة العراقيين دون نعت أو توصيف طائفي.

وجود هذا الخط العراقي السياسي الثالث وتبلوره في مشاريع وبرامج، هو معادل موضوعي لتلاشي واختفاء الأحزاب الدينية (أحزاب الإسلام السياسي بمختلف انتماءاتها تبعا لعدم وجود فروقات جوهرية بينها)، وهو أيضا مرادف لانحسار الوجود الإيراني في العراق، إذ أن إيران تتسكع في العراق عبر أدواتها وأحزابها ومرجعياتها وميليشياتها وحشودها. حيئنذ يصبح هذا الخط الثالث المنشود بديلا وطنيا عن “الطابور الخامس” الموجود راهنا، والذي قدم كل ما يفيد ويؤكد فشله في إدارة وطن بحجم العراق.

ثابت أن البون شاسع بين المظاهرات القائمة الآن وبين هذا الطرح الذي يبدو مغاليا في التنظير والمثالية، لكن البناء الواهي لأحزاب الإسلام السياسي ثبت، تاريخيا، أنه مثلما لا يملك مقومات تدبير شؤون دولة فإنه أيضا تعوزه كل إمكانيات الصمود أمام البرامج الوطنية. وبما أن طريق الألف ميل تبدأ بخطوة، فإن تواصل الاحتجاج ضد حكومة حيدر العبادي (والتيقن من إصلاحاته المزعومة هي ضرب من ذر الرماد) وضد أسلافه ورعاتهم وطائفيتهم، وتطوير الشعارات من المطالبة بالكهرباء إلى المطالبة باسترجاع الوطن، كل هذه الأبعاد كفيلة بتعويض الأحزاب الدينية بأحزاب وطنية تكرس الدولة (قوانين ومؤسسات وثقافة) بدل الطائفة والمذهب والمرجعية.

مفيد أن نشير هنا، إلى أن رفض المشهد السياسي الحالي يقتضي التأكيد على أن المشكلة لا تكمن فقط في الأحزاب والتنظيمات الشيعية المدارة من طهران، بل إن الأحزاب الدينية (سنية الهوى) لا تعوزها الارتباطات والارتهانات سواء إلى دول أو إلى تنظيمات دولية، ولعل تجربة الحزب الإسلامي العراقي أو هيئة علماء المسلمين أو غيرهما، أكدت أن الحزب الإسلامي هو حزب طائفي بالضرورة وإن سعى إلى إخفاء طائفيته، لذلك لم ترتق الأحزاب الدينية السنية إلى درجة النقيض أو البديل عن أحزاب الإسلام السياسي الشيعي الحاكم في العراق، لأنها تشترك معها في إتقان إدارة الظهر عن الوطن والمواطنة.

الطابور الخامس في العراق إذن ليس فقط شيعيا موجها من طهران، بل هو أيضا إخواني يوجه من مكتب الإرشاد الدولي، ولا يرى الأول ضيرا في التحالف مع الثاني إن رأى تهديدا لوجوده أو لمكاسبه.

الدليل على أن الأمر ممكن وقابل للتحقق هو الارتباك البادي في السلوك السياسي للطبقة الحاكمة في العراق (حكومة وبرلمانا ومرجعية)، والقرينة الثانية هو التهم التي تكال يوميا للاحتجاجات (مهما كان حجمها ومداها) من قبيل أن يقال إن “العلمانيين يقودون الاحتجاجات في المدن العراقية”، وهو توصيف وإن أريد به الإساءة إلى الاعتمال الشعبي العراقي مراهنة على ما قد تحدثه لفظة العلمانية من تأثير لدى الرأي العام، إلا أنه توصيف صحيح لأن المظاهرات ضمت مختلف مكونات المجتمع العراقي ومذاهبه، وثانيا رفعت شعارات جريئة تنادي بفصل الدين عن السلطة، وتندد بالفساد (الذي يمارس للمفارقة من قبل أحزاب دينية) ونقص الخدمات الأساسية.

ما يدعو للتفاؤل بأن الاحتجاجات ستتواصل بما يعني تحقيق المزيد من المكاسب والمطالب، أن رئيس الوزراء حيدر العبادي ولئن أعلن بعض الإصلاحات إلا أنه لم يخرج من دائرة الخضوع إلى المرجعية الدينية (المكتب الإعلامي للعبادي أعلن أنه يتعهد بالالتزام بالتوجيهات القيمة للمرجعية الدينية العليا، وأنه سيعلن خطة شاملة للإصلاح داعيا القوى السياسية إلى التعاون معه في تنفيذها). ولاشك أن هذا “الالتزام” يشي بأن الرجل غير قادر على التخفف من عباءته الدينية وهي بالضرورة طائفية، لأن المرجعية الدينية هنا ليست سوى السيستاني. ومبعث التفاؤل أن فئات واسعة من الشعب العراقي لم تنطل عليها لا إصلاحات العبادي ولا ترحيب نوري المالكي بإلغاء منصبه ولا مساندة مجلس النواب العراقي لتلك الإجراءات، لوعيه (الشعب العراقي) بأن تلك الطبقة السياسية التي ابتلي بها العراق توجه من طهران، بل انتماؤها لإيران يتفوق على امتلاكها الجنسية العراقية.

الخط الثالث العراقي هو مشروع قيد التبلور وهو المشروع الوحيد القادر والمؤهل لإزاحة الطغمة السياسية العراقية الحالية بكل ما تعنيه وترمز إليه: أحزاب دينية طائفية، تنتج تخلفا وفسادا وتعود بالعراق (باطراد) إلى الخلف لأنها لا تعرف للوطن سبيلا وإن عرفته فهو بالضرورة: إيران.

كاتب صحفي تونسي

9