العراق: الداء والدواء وما استعصى على الحل

هذه قصة أكبر من الكاظمي، إنها قصة ما إذا كان هناك مشروع وطني مضاد قادر على خوض المواجهة مع أدوات الاحتلال ومفسديه الذين تسللوا إلى مؤسسات الدولة وصنعوا فوقها دولة موازية.
الجمعة 2021/06/04
الكاظمي بمفرده لن يغير شيئا في الوضع الراهن

إذا سمحت المواجهة الأخيرة بين مصطفى الكاظمي والحشد الشعبي بأن تنأى به عن شكوك التواطؤ مع المشروع الإيراني، فإن الأمر مختلف تماما بالنسبة إلى المؤسسة الأمنية والعسكرية التي يتصدرها، بوصفه “القائد العام للقوات المسلحة” بحكم منصبه كرئيس للوزراء.

لقد تسلل المشروع الإيراني إلى هذه المؤسسة ليجعل منها، في النهاية، ظلا للحشد الشعبي.

أعمال التدمير المنهجي التي لحقت بالجيش العراقي على مدار الأعوام الـ18 الماضية، جعلت منه قوة ثانوية، تناظر القوة الثانوية التي يمثلها الجيش الإيراني نفسه في موازاة “الحرس الثوري”.

نحن هنا نتحدث عن مطابقات يجري تجسيدها بكل الوسائل، من دون أن تكون معلنة. الإيرانيون أنفسهم لا يقولون إن جيشهم هامشي.

هناك بقية باقية من إرث عقائدية عسكرية لدى خريجي الكليات العسكرية في العراق ومدارس الأركان، وهي عقائدية وطنية أيضا، لم يتمكن “حل الجيش” في العام 2003 من حلّها تماما، إلا أن عقائدية أخرى طائفية وجهوية تسللت إليه قسرا، وفرضت نفسها على قيم السلوك والمراتب فيه.

شيء واحد يسهم الآن في إنقاذ العقائدية القديمة، هو أن المشروع الطائفي الإيراني، قبيح ومتقيّح وصعلوكي إلى درجة لا تستقيم حتى مع أدنى المعايير الأخلاقية، ولا العسكرية، ولا الإنسانية.

لدى العراقيين الآن جيش جاش عليه الصعاليك وحاولوا أن يسموه بسماتهم حتى لم تعد الرتب العسكرية العالية تحظى بما كانت تحظى به أدناها من قبل. إلا أن العلة ليست في زحمة المنتسبين الجدد، ولا في الطرد الجماعي لقادة ومراتب الجيش السابق. العلة في البيئة التي تعيش المؤسسة العسكرية فيها الآن.

هذه البيئة هي بيئة “حشد شعبي”، بكل ما تعنيه من فساد وشرور وانتهاكات وأعمال لا أخلاقية ولا وطنية. إنها بيئة ولاء خارجي. أو بعبارة أوضح بيئة عمالة صريحة وارتباط روحي وقح ببلد آخر. وهو ما يجعل المؤسسة العسكرية، في جانبيها: المتن والظل، جيش احتلال، يؤدي وظيفة التخريب والتدمير والقتل والنهب، لصالح البلد الأم، لا جيشا وطنيا.

هذا وضع لا تكفي لحله مواجهةٌ واحدة. وفي الواقع، فحتى ولو بدا أن الكاظمي نجح في اعتقال مجرم واحد، فإنه يخوض بالأحرى مواجهة خاسرة، مع مؤسسة الجريمة التي تهيمن على العراق.

الحشد الشعبي يمكنه أن يستغني عن واحد من قادة فرق الاغتيالات، لأغراض وحسابات تقنعه الآن، بأن الوقت ليس ملائما لخوض معركة لم يتم ترتيب نتائجها مسبقا. إلا أن ذلك لا يعني أن المعركة لن تأتي. كما أنها لا تعني أن الحشد ومن يحتشد في ظلاله، سوف يتخلى عن مكانته كقوة احتلال إيراني قادر على أن يملي إرادته ساعة تشاء طهران.

المسألة أبعد، بطبيعة الحال، من مجرد صنع أجواء مناسبة للفوز في الانتخابات المزمعة في أكتوبر المقبل. إنها مسألة تتعلق بمصائر المشروع الطائفي نفسه، وغلبة الأدوات الإيرانية فيه.

هذه قصة أكبر من الكاظمي. إنها قصة ما إذا كان هناك مشروع وطني مضاد قادر على خوض المواجهة مع أدوات الاحتلال وأزلامه وصعاليكه ومفسديه الذين تسللوا إلى كل مؤسسات الدولة، وصنعوا فوقها دولة موازية أقوى منها.

الكاظمي لم يأت إلى منصبه من هذه القصة. جميل لو أنه كان يقدر على الانتساب لها. إلا أنه أضعف من ذلك. يوم ذهب ليرتدي سترة الحشد الشعبي، إنما أراد أن يشير إلى أنه منتمٍ إلى المشروع الإيراني وقصته. ربما فعل ذلك خوفا، أو تقية أو لأسباب انتهازية. ولكن هذه الأسباب نفسها لا تدل على أنه أصبح قادرا بقدرة قادر على الانتماء إلى قصة مشروع وطني.

قصارى القول، إن المواجهة أكبر من كل عناصرها. أكبر من الحشد الشعبي نفسه.

تظاهرات الاحتجاج قدمت صورة لمشروع مضاد. هذه التظاهرات لم تتبلور بعد كتيار قادر على إخراج العراق من دائرة الاحتلال الإيراني. ليس بعد.

وهي لم تقدم أجوبة متناسقة حول ما إذا كان يمكن المشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها أو سبل مواجهة ما قد يأتي من بعد ذلك.

مناهضو المشروع الإيراني في العراق هم الأغلبية من الناحية العددية. هذا شيء يمكن تلمّسه ليس في حقيقة أن الاحتجاجات ظلت تستقطب الملايين، بل بحقيقة أن أنظمة الفساد هي بطبيعتها أنظمة أقلية. وهي في العراق نظام أقلية وعصابات مسلحة.

قد يعني ذلك أن الأغلبية قادرة نظريا على تحقيق الفوز في أي انتخابات. إلا أن دولة العصابة، أينما كانت، هي التي تفوز دائما.

دكتاتور تافه مثل ألكسندر لوكاشينكو في “روسيا البيضاء”، يستطيع أن يفوز دائما لمجرد أنه حليف لفلاديمير بوتين. واحد آخر أتفه منه يستطيع أن يبقى في السلطة إلى الأبد، ولو كان على خراب وجماجم تعادل إلقاء عشرين قنبلة نووية.

هذا يعني أن السلاح بيد الأغلبية قد لا يعني شيئا هو الآخر. وقد لا يكون، بحسب النموذج الإيراني في سوريا هو السبيل الأمثل للتغيير.

ولكن هناك شيء واحد قد يمكن الرهان عليه. هو الفشل نفسه.

الفشل إذا كان هو ما دفع إلى بروز تيار شعبي مناهض للاحتلال وأزلامه وحشده، فإنه هو الحل أيضا.

تعميق الفشل خيار عقلاني تماما في مواجهة دولة العصابة التي تملك السلاح ولا تتردد في ارتكاب أكبر المجازر وتملك القدرة على الفوز في كل انتخابات.

يمكن الانخراط في بعض جوانب هذه اللعبة أو تلك، ولكن تعميق الفشل إلى الحد الذي يدفع إلى انهيار شامل، هو الهدف الذي يجعل قوى الاحتلال تعجز عن إدارة الخراب.

أنا لم أفهم حتى الآن (وعذرا عن “أنا” غير مقصودة لذاتها)، لماذا ظل النفط يتدفق على امتداد كل هذه السنوات لكي يمول لإيران مشروعها في العراق؟ شيء عجيب فعلا. هل كانت عصابات إيران لتبقى لو أنها لم تجد ما تنهبه؟ أو لو أن النظام الذي تتربع على عرشه بات مفلسا؟

لقد خربوا كل شيء، وظل النفط وحده يوفر العائد المطلوب. أكثر من تريليون دولار ضاعت من هذا النفط بالذات. ماذا كان سيحصل لو أن كل الأنابيب تفجّرت؟ وظلت تتفجر حتى لا تعود هناك صادرات تتحول إلى أموال يتم نهبها، ويذهب قسطها الأكبر إلى دولة الاحتلال وعصاباته وأزلامه؟

ليش يعني؟ شنو السبب؟ وما هي العبقرية الاقتصادية التي تخاف من أن يعيش العراقيون في ظلام دامس، هم يعيشون به أصلا؟ ومن قال إن الظلام الدامس والفشل الشامل شيء ضار فعلا من وجهة نظر التحرّر؟

“داوها بالتي كانت هي الداء”. هذا حل معقول أيضا، لأن الداء الذي بات مستعصيا إلى درجة أنه صار هو الجيش والحكومة والبرلمان وكل مؤسسات الدولة، يحسن أن يصل إلى نهاياته القصوى. وكلما كان ذلك أسرع، كلما كان أوفر. على الأقل سيوفر العراقيون على أنفسهم التريليون الآخر. ساعتها فقط يمكن لقصة الوطنية أن تستقطب جيشا بقيم، وستعثر على رئيس وزراء أشجع.

8