العراق الرث هو مأثرتهم

الجمعة 2014/07/11

يرى سياسيو العراق الجديد ما لا نراه، ما لا يراه الناس من العراق. بالنسبة إليهم وقد ارتفع بهم المحتل الأميركي من القاع إلى القمة، إن كل ما يحل بالعراق من كوارث ومآس لن يكون موضوعا مهما إلا إذا هدد مصالحهم الشخصية، بما يعني قرب زوال النعمة التي هبطت عليهم لقاء ولائهم لحامي وجودهم في السلطة وهو السيد الأميركي.

وإلا بماذا يمكن أن تفسر حالة عدم الاكتراث التي يعيشها أولئك السياسيون في مواجهة ما حدث ولا يزال يحدث في مناطق شاسعة من البلد الذي يدعون أنهم قد انتخبوا من أجل إدارة شؤونه؟

من يراقب سلوكهم وهم يديرون أزمات الحكم يشعر أن كل شيء في العراق لا يزال تحت السيطرة. فالبرلمان، الذي هو جهة التشريع والرقابة، عجز أعضاؤه عن انتخاب رئيس له، فأجلوا لقاءهم التالي شهرا، ليتاح لهم التمتع بسهرات رمضان ونوم نهاراته في انتظار العيد، ولولا الضغط الأميركي لما تراجعوا عن قرارهم السابق.

أما رئيس الحكومة المنتهية ولايته نوري المالكي فلا يزال يتصدر المشهد باعتباره الأحق والأصلح بين الجميع لتولي ولاية ثالثة، رغم أن الهزيمة البشعة التي تعرض لها جيشه، حين تخلى عن جزء كبير من العراق للغزاة، هي سبب كاف لإحالته إلى المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى.

لا أحد من السياسيين المشاركين في ما يسمى بالعملية السياسية، والذين صار المالكي ينظر إليهم بازدراء واستخفاف، قد اعترف ولو من باب رفع العتب أنهم مُسيرون لا مُخيرون وأنهم مجرد بيادق ينقلها بين مربعات اللاعبان الرئيسيان في العراق: الولايات المتحدة وإيران. لم يقل أحد منهم ولو كلمة واحدة تشي برغبته في الاعتذار من الشعب العراقي، الذي صار جزء منه يستظل براية الخلافة الإسلامية، والجزء الآخر ينتظر الغزاة بقلوب راجفة وعيون دامعة. ترى ما سر كل هذا الاطمئنان المغلف بالصلف؟

حين عقد البرلمان العراقي الجديد جلسته الأولى لم يتساءل أحد من النواب الجدد عما جرى ويجري في ثلثي الأرض العراقية، وهما الثلثان اللذان خرجا من نطاق سيطرة الحكومة المركزية. خرجوا في هرج ليصطفوا في طابور من أجل التوقيع على امتيازاتهم.

كما لو أن الجزء الأكبر من البلد الذي يشرعون له قوانينه لم يسقط في قبضة جماعات مسلحة. كما لو أن أبا بكر البغدادي لم يلق خطبته العصماء من على منبر في جامع النور بالموصل التي كانوا يسمونها أم الربيعين، كما لو أنهم لا يعرفون أين تقع الموصل. كما لو أنهم لم يسمعوا بأن بغداد قد أحيطت بالحواجز الترابية مخافة أن يغزوها الدواعش. كما لو أنهم لم يتأكدوا بعد من أن الطائرات الإيرانية صارت تقصف مدنا عراقية. كما لو أنهم لم يروا مشاهد تشييع الضباط الإيرانيين ومنهم طيار، الذين قتلوا في الأراضي العراقية. ما من شيء في سلوك السياسيين العراقيين يشي بالاكتراث لما يقع خارج المنطقة الخضراء، وهي منطقة الحكم التي قرر الأميركان أن يحموها.

فقطاع الطرق واللصوص والأفاقون ومزورو الجوازات والمهربون والقتلة وأفراد العصابات لا يهمهم، بعد أن صاروا حكاماً، ما يجري لشعب خانوه، وما يقع لبلد كانوا مسبقا قد وقعوا على خرائط تقسيمه أو على الأقل تفكيكه من أجل أن يبقى مستضعفا إلى الأبد. سيكون من السذاجة أن ننتظر من أحد سياسيي العراق الاعتراف بشعوره بالعار أمام ما انتهى إليه العراق بسبب سياساتهم.

هم يشعرون بالزهو وقد وصلوا بمشروع المحتل الأميركي إلى نهاياته، إلى عراق لن تقوم له قائمة.


كاتب عراقي

9