العراق القومي انتهى

الأحد 2015/11/22

لقد قدمنا مشكلة سنّة العراق لسنوات وأوصلنا صوتهم، كنا ننتظر ظهور قيادات عراقية حقيقية ودعما عربيا جادا ووحدة مصير. إلا أننا اكتشفنا بأن العراق ليس من أولويات السياسة العربية، وهذه الحرب على داعش ستهجّر نصف سنّة العراق. ستترك الحرب عوائل وأيتاما وفقراء ومعاقين على ركام من الحجر والغبار في الموصل والرمادي فماذا نكتب لهم؟ هل نكتب تعالوا نسترجع بغداد من إيران، أم تعالوا نهدم أضرحة سامراء. بينما الحقيقة الناس بحاجة إلى بطانيات على أطراف بغداد في الشتاء؟

ربما يمكن لنا أن نستمر بالمعارضة السياسية والسلمية والإصلاحية دون دعوة لانقلاب أو كفاح مسلّح أو رفض العملية السياسية؟ الحياة والناس والأطفال أهمّ من العقائد والأفكار. لقد حاولنا بصدق إلا أن أولياء الأمور غير مهتمين على الإطلاق. بعد داعش سيكون التطرف عبارة عن مفخخة بسوق شعبي في العاصمة كل شهر، عملية عبثية تتلاشى مع الوقت.

لم ينجح العراقيون بمكاشفة بعضهم البعض وانتقاد الأخطاء المتبادلة بين السنّة والشيعة، بل استمر منطق الثأر والإجرام المتبادل هو الفصل. مثال على ذلك سيناريو تسفير العراقيين من أصل إيراني الذي كان بداية الحقد، حيث كان يطلب منتسبو جهاز الأمن من أفراد العائلة بالصعود إلى السيارات نحو مقرات الأمن لتدوّن أقوالهم وربما قضوا بعض الليالي هناك. بعد ذلك يتم قذفهم على الحدود مع الأطفال والشيوخ في البرد والمطر.

لم يسمح لهم بأخذ أيّ شيء معهم عدا الثياب التي ارتدوها. وقد استمرت حملة التسفير طوال فترة الحرب وحتى بعد انتهائها. حملة التسفير الأولى عام 1971 شملت ثلاثين ألف مواطن، والثانية بدأت عام 1980 وشملت أضعاف ذلك بكثير وتمت على مدى سنوات. مواطنون عاشوا مئات السنين في العراق، إلا أن شهادة جنسيتهم تصنفهم على أنهم “تبعية إيرانية” وليس عثمانية كمعظم العراقيين.

حديث الرئيس صدام حسين في تلك الفترة كان جريمة عنصرية علنية يقول “اجتثوهم من أرض العراق لكي لا يدنسوا الدم العراقي عندما تمتزج دماؤهم بدماء العراقيين بالتزاوج” وطبعا هذا السلوك أدى بعد عقود إلى عودة أبناء هؤلاء المهجرين من إيران كقادة وإداريين بعد الاحتلال وارتكابهم جريمة مضادة هي “اجتثاث البعث” والتعذيب والاغتصاب والإبادات الطائفية بحق سنّة العراق.

وبمناسبة العنصرية كان الإعلام العراقي يصرخ أيام الحرب مع إيران “قاتلوا الفرس المجوس الحاقدين أحفاد كسرى” وكنّا نسمع ذلك الكلام قبل أن نهاجر ونعرف من القانون الغربي بأن هذا التثقيف العنصري يعاقب عليه القانون.

التاريخ العربي يحدّثنا بأن نتاج التزاوج بين العرب والفرس أنتج أهم الخلفاء التنويريين كالمأمون مثلا، ولا أعتقد بأن صدام حسين أهم من المأمون وأكثر ثقافة. إن النموذج العباسي هو نموذج حضاري عالمي جسّد التلاقح العربي والفارسي الذي انصهر ببغداد وحقق معجزة علمية وثقافية. بكل أسف نحن تأثّرنا بثقافة البعث العنصرية، والإيرانيون تأثروا من جهتهم بتطرفهم المضاد، فكانت المذبحة والملحمة الهمجية بين الفرس والعرب في العراق.

لعل المستقبل لإيران لأنها تتصرف مثل الإمبراطورية البريطانية القديمة ولو بإطار شيعي، السفارات الإيرانية فيها موظفون عراقيون ولبنانيون وغيرهم، إنهم يشركون الآخرين ببناء مشروعهم، بينما بعض الدول العربية منغلقة على نفسها بجدران حديدية. إيران يدخلها الفقراء كطلاّب حوزة وكـ”مجاهدين” وكأصحاب فكر ومشاركين في بناء الجمهورية الإسلامية، ومن هذه النقطة أيضا تنتشر داعش كنقيض لإيران.

نحن العرب نعيش تناقضات لا يمكن تجاهلها، منها أننا نريد الدفاع عن عرب الأحواز ونحن ما زلنا نعاني من مشكلة “البدون” وهم مواطنون عرب عاشوا لأجيال في بلدان عربية حديثة. هذه تناقضات حادّة وتلمس القيم الإنسانية مباشرة إذا عرفنا أن الأحوازي حامل للجنسية والجواز الإيراني. يكفي أن إيران تدعم شيعة العراق الملطخة أيديهم بدماء مليون إيراني في الحرب، فكل الإحصائيات العالمية تؤكد اختفاء جيل إيراني بأكمله بسبب الحرب مع العراقيين. حاربنا إيران ثماني سنوات على أساس أن الدين “تخلف” ونحن بعث قومي علماني تنويري. وبعد ثلاثين سنة نريد أن نحارب الشيعة لأن عقيدتهم منحرفة ومشركون ونحن أهل توحيد وتطبيق شريعة. ربما علينا أن نتفهم الحقيقة وهي أن الحكم شيعيّ بالعراق، وليس بيدنا تغيير الواقع. شيعة السعودية مثلا مُنعوا من إقامة مراسيم عاشوراء من عام 1927 وحتى عام 1979 وصبروا حتى سُمحَ لهم بإقامة أول عاشوراء، وأنزلت الحكومة عشرين ألف جندي حينها للحفاظ على الأمن. وفي العراق الشيعة حاربوا الخميني رغما عنهم، وكانت مراسيم عاشوراء ممنوعة في بعض السنوات. ماذا بيد الناس؟ كل شيء بيد الحكومة. في هذا العهد الحكومة شيعية وعلينا أن نشجع الناس العاديين على تقبل هذه الفكرة والتعايش، في نفس الوقت ندعو الحكومة العراقية إلى تحقيق الأمن والمساواة.

كثير من الدول العربية أقرّت بأنه ليس من الواقعية مطالبة العراق بقطع العلاقات مع إيران، خصوصا وأنها شريك عقائدي شيعي ولا يمكن تجاهل هذه الشراكة. وحتى فكرة عودة البعث والقومية إلى بغداد تبدو غير واقعية أيضا، بسبب رفض العراقيين الشديد لهذه الفكرة بعد كل تلك المغامرات البعثية والحروب والحصار. إن دودة القومية الوحيدة ماتت بأمعاء العراقيين بسبب الجوع والحصار لعشر سنوات. الجوع والحصار العربي والعزل الطويل قضى على الشعور القومي العراقي.

إذا كان المشروع الصفوي خطرا على الدول العربية فلتعلن الجهاد والنفير العام، أما التحريض القطري والدعم المخابراتي بالسلاح لتجمعات سكنية عراقية وسورية، وتسميم الوعي بالكراهية العنصرية والطائفية، فلن تكون نتيجته سوى القصف والتهجير والتعذيب بالسجون السرية والبراميل المتفجرة. الحقيقة هي أننا حاربنا إيران حين كانت أميركا ضد الشيعة ولم ننجح، فكيف اليوم والعراق شيعي وأميركا حليف لإيران؟

كاتب عراقي

4