العراق بلد تحكمه فرق الموت

الجمعة 2013/11/29

لم تكن فرق الموت التي نشطت في العراق بين عامي 2006 و2008 كلها تابعة للشركات الأمنية التي أستأجرها جيش الاحتلال الأميركي من أجل أن تعينه في تنفيذ الكثير من المهمات القذرة.

كانت هناك فرق موت محلية المنشأ. أفرادها عراقيون، تربى معظمهم تحت الأرض، في عالم الأحزاب الدينية السفلي، سواء داخل العراق أم في إيران.

يومها كانت المقاومة العراقية قد امتلكت زمام المبادرة فصارت تكبد الجيش الأميركي خسائر كبيرة في الأرواح، لم تكن قيادته مستعدة لتحمل تبعاتها في مواجهة رأي عام أميركي صار ينظر إلى تلك الحرب من جهة عبثية أهدافها، مقارنة بتكلفتها الباهظة على المستويين البشري والمادي.

فكان أن استعانت سلطة الاحتلال يومها بالدهاء الإيراني الذي تفتق عن فكرة الحرب الأهلية، التي لم تكن أطرافها كلها عراقية بالضرورة، فقد كان وجود فيلق القدس الإيراني لافتا ومرئيا. غير أن تلك الحرب لم تكن في حقيقتها أهلية كما يشير اسمها، بقدر ما كانت حربا شنتها فرق موت عراقية وإيرانية على الشعب العراقي، التقط أثناءها الجيش الأميركي أنفاسه.

كانت واحدة من أقذر الحروب في التاريخ البشري، ذك لأنها قامت برعاية المحتل الذي تفرض عليه القوانين الدولية حماية أرواح المدنيين وممتلكاتهم والحفاظ على قوانين البلد المحتل.

لقد اتفقت سلطة الاحتلال مع مرجعية النجف على المضي بتلك الحرب وصولا إلى هدف واحد هو تحجيم المقاومة من خلال إشاعة روح الرعب في صفوف الشعب العراقي، فكانت رؤوس العراقيين المقطوعة والملقاة في المزابل عنوان تلك المرحلة، التي سيقف التاريخ يوما ما أمام عارها منذهلا.

رفع المحتل الأميركي يده وصار يتفرج على مشاهد القتل الجماعي، فيما اكتفى «السيستاني» وهو المرجع الشيعي الأعلى في النجف بالقول بأنه لا يستطيع أن يمنع ردة فعل أتباع آل البيت إزاء ما جرى من تفجير لضريحي إمامين من أئمتهم، وهو التفجير الذي اتضح في ما بعد أنه كان مدبرا من أجل تبرير عمليات الإبادة الجماعية التي تعرض لها العراقيون.

لقد تميزت فرق الموت يومها بأسلوب يختلف كل الاختلاف عن الأسلوب الإرهابي التي يتبعه تنظيم القاعدة في قتل المدنيين. فلم يكن هناك انتحاريون ولا تفجيرات ولا سيارات ملغومة ولا عبوات ناسفة. كان القتل المباشر يتم بدم بارد.

فكانت هوية الضحايا سببا كافيا للقتل عند الحواجز التي لم تكن ليلية أو مؤقتة. كان كل شيء يتم وفق تنسيق مسبق مع القوات الحكومية التي لم يتورع الكثير من فصائلها عن المساهمة في تلك الحرب القذرة، وهو ما تؤكده أفلام كثيرة صورت في تلك الحقبة الدامية ونشرت على مواقع الأنترنت. الآن وبعد خمس سنوات من ذلك الفصل المهين بلا إنسانيته من فصول الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق، هل يمكننا القول أن صفحة تلك الحرب (الأهلية) قد طويت بشكل نهائي؟

كل المعطيات تجيب بالنفي.

لقد أنتجت تلك الحرب أحياء مصنفة على أساس المذهب الديني الذي يتبعه سكانها. وهي أحياء محاطة بأسوار عالية، كان التهجير هو الأسلوب الذي اتبعته فرق الموت في إنجاز نقاء تلك الأحياء المذهبي.

صار المخبرون الإعلاميون يشيرون إلى منطقة سنية وأخرى شيعية من غير تردد. تحولت بغداد العاصمة، وهي أكثر المدن العرقية تمثيلا للفسيفساء العراقية، إلى مجموعة من الغيتوات المتلاصقة التي يفصل بينها دهر من الفتاوي الظلامية.

ولكن حين يتم الإعلان الرسمي عن العثور على جثث 14 رجلا كانوا قد قُتلوا رميا بالرصاص في بغداد، فإن ذلك يعني أن فرق الموت قد استعادت دورها في التأسيس للحقبة المقبلة. وهي حقبة لن يكون رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي سيدها كما يحلم.

لذلك يخطط سياسيو العراق، وجلهم من أتباع المرجعية الدينية، لصعود قيادات طائفية قد لا تكون أسوأ من السيد المالكي، غير أن عودة القتل بتلك الطريقة التي تنذر بعودة فرق الموت قد تبرر لتلك القيادات إكمال المسيرة الفاشلة التي بدأها المالكي.

يحتاج سياسيو العراق الفاشلون إلى حرب يشنها مجهولون على الشعب العراقي من أجل أن يقبل بهم ذلك الشعب منقذين. لعبة القتل تمهد لانتخابات ديمقراطية سيشهدها العراق مطلع السنة المقبلة.

______


* كاتب عراقي

9