العراق بلد لا يناسب الشباب

يدفع فشل القيادة السياسية العراقية في توفير رؤية وآفاق ملموسة للمستقبل الشباب إما إلى البحث عن الوظائف من خلال الواسطة والمحسوبية، وإما إلى القتال مع تنظيم الدولة الإسلامية أو مع الميليشيات المسلحة، وإما إلى التفكير في مغادرة البلاد، وهو وضع يشكل استنزافا خطيرا لإحدى أهم ثروات البلاد وروافده المستقبلية.
الخميس 2016/09/08
أمل ضعيف في مستقبل مزهر

بغداد – “العراق: بلد لا يناسب الشباب”، هي الخلاصة التي خرج بها تحقيق أجرته شبكة الأنباء الإنسانية إيرين، مع ثلاثة شبان عراقيين: سيف عبدالجبار الذي يحارب تنظيم الدولة الإسلامية لكسب لقمة العيش لكنه بالكاد يستطيع دفع فواتيره، وفالح الذي يسعى جاهدا لمغادرة العراق، لكنه لا يستطيع الحصول على تأشيرة، وعبدالله الذي يعمل في الحكومة ومع ذلك يقول إنها فاسدة.

هؤلاء الشبان الثلاثة هم من بغداد وجزء من جيل يوصم بأنه مفقود وفوضوي ومهيأ للتطرف، لكن الحقيقة هي أنهم يشعرون بأنهم محرومون من حقوقهم بسبب المستقبل غير الآمن الذي تتجلى ملامحه مما يجري في الحاضر ومن سياسة الحكومة التي لا تقدم رؤية وآفاقا ملموسة للمستقبل، ما يجعل الشباب أمام ثلاث خيارات؛ إما القتال في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية وإما الانضمام إلى الميليشيات الشيعية وإما الهجرة.

إثر سؤاله عن الصعوبة في العثور على عمل قال سيف عبدالجبار، 28 عاما، وهو أحد أفراد الميليشيات، إنه اضطر إلى ترك المدرسة الثانوية لرعاية أسرته بعد وفاة والده. واشتغل عامل بناء لأنه لم يتمكن من العثور على وظيفة حكومية.

وعندما استولى تنظيم الدولة الإسلامية على أراضي عراقية وبعدما أصدر الزعيم الشيعي آية الله العظمى علي السيستاني فتوى تحث المؤمنين على القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية في يونيو 2014، انضم سيف، ومثله عدد كبير من شباب العراق، إلى قوات الحشد الشعبي.

وعلى الرغم من أن راتب الميليشيا لا يغطي كل نفقاته فإنه يبقى أفضل من لا شيء بالنسبة إلى سيف الذي يؤكد في تصريحاته لشبكة إيرين أن الاكتئاب واستمرار العنف يدفعان بالبعض من الشباب للانضمام إلى الجماعات المسلحة لأنها تعرض مبالغ جيدة، وهو من الأسباب التي تدفعهم إلى الهجرة.

وأكد سيف أنه يفكر دائما في الرحيل عن العراق لأن المستقبل مجهول وخطير بسبب الفوضى السياسية والأزمة الأمنية المستمرة، مضيفا في رده على تساؤل حول تساوي الفرص بين الشيعة والسنة “أنا شيعي وأقول لا توجد عدالة بين الشيعة في العراق، فكيف لنا أن نتصور العدالة بين السنّة والشيعة والطوائف الأخرى؛ تعاني السنّة تحت إمرة حكومة يهيمن عليها الشيعة، ويعاني الشيعة من هذه الحكومة أيضا”.

العراق الذي يئن تحت وطأة الاختلال الوظيفي السياسي، والفساد والتهديد الجهادي يبدد أكبر ثرواته المتمثلة في شبابه

نظام سياسي قاتل

وصف الشاب العراقي الوضع السياسي في العراق بأنه “لعبة قذرة يلعبها السياسيون الذين يسرقون كل شيء، حتى أحلامنا وتطلعاتنا… إنهم لا يخدمون إلا أنفسهم. نحن نشعر بالاكتئاب بسبب كل الوقت الذي يضيع في الانتخابات. ولو كان الأمر بيدي لفصلت جميع السياسيين من وظائفهم”.

تحدث بنفس المرارة فالح البغدادي، 25 عاما، الذي قدمته شبكة إيرين تحت وصف المهاجر المحتمل، وهو حاصل على شهادة البكالوريوس في علوم الكمبيوتر، ولكنه يعمل كمترجم، وهي وظيفة قال إنه حصل عليها بصعوبة وتكسبه ما يكفي لدفع الفواتير والبقاء على قيد الحياة بأدنى مستوى.

وعلى غرار سيف أكّد فالح، وهو سني، أنه يسعى لمغادرة العراق رغم أنها خطوة سهلة، وأضاف مؤكدا “المستقبل مجهول لجميع العراقيين، ولذلك لا أرغب في إقامة أسرة هنا. لا أفكر حتى في الزواج أو الأطفال في الوقت الراهن. الحياة معقدة للغاية”.

وانتقد السياسيين العراقيين قائلا إنهم “دخلوا معترك السياسة لكسب المال، وأسرهم تعيش في الخارج. إنهم لا يخدمون إلا أحزابهم وجيوبهم. أود أن أرى العراق يحكمه نظام ملكي، أعتقد أنه أفضل فرصة لهذا البلد”.

ولم تختلف وجهة نظر الموظف الحكومي عبدالله سعد، 31 عاما، في ما يتعلق بالنظام السياسي في العراق، عما قاله سيف وفالح، حيث قال بدوره إن “النظام فشل في العراق بسبب الناس الذين يحكمون البلاد والذين ساعدوا على انتشار الطائفية والفساد لذلك يحتاج السياسيون والنظام السياسي إلى إعادة هيكلة كاملة”.

ويعتبر عبدالله أفضل حالا من جهة العثور على وظيفة، لكنه أكّد أن الراتب لا قيمة له عند مقارنته بغلاء المعيشة والمخاطر التي يواجهها العراقيون كل يوم. وقال سعد “إذا كنت موظفا حكوميا ولست فاسدا، فلن تكسب أبدا ما يكفي من المال لشراء منزل”. ويعد هذا الأمر من الأسباب التي تدفع عبدالله سعد إلى التفكير في مغادرة العراق، بالإضافة إلى الوضع الأمني وغياب القانون والنظام، ليختم حديثه بتشاؤم وهو يقول “مستقبل العراق أسود، وأنا لست متفائلا على الإطلاق”.

الميليشيات المتحالفة مع الحكومة العراقية تقوم بتجنيد الأطفال في النزاع الدائر

أهم مورد في البلاد

حذّر من هذه النبرة التشاؤمية تقرير صدر عن مجموعة الأزمات الدولية خلص إلى أن العراق الذي يئن تحت وطأة الاختلال الوظيفي السياسي، والفساد المستشري والتهديد الجهادي يبدد أكبر ثرواته المتمثلة في شبابه.

يتفق الشباب العراقيون، من السنّة والشيعة على حد سواء، على عدم وجود شيء يذكر يمكن التطلع إليه في بلد تدور المحادثات الخاصة والاحتجاجات العامة فيه حول سوء مستوى الخدمات والفساد والعنف اليومي.

ويتشدق السياسيون بالإصلاح، لكنهم يرفضون الحديث عن تخفيض سن الترشح والأشياء الأخرى التي تجتذب الناخبين الشباب ويعتبرونها نوعا من الحيل الانتخابية قبل انتخابات مجالس المحافظات المهمة في عام 2017 والانتخابات البرلمانية في العام التالي.

وبحسب إحصاءات الأمم المتحدة، لقي 473 مدنيا عراقيا مصرعهم جراء أعمال الإرهاب والعنف والصراع المسلح في شهر أغسطس وحده، من بينهم 231 في محافظة بغداد.

ونشرت منظمة هيومن رايتس ووتش، الأسبوع الماضي، تقريرا جاء فيه أن الميليشيات المتحالفة مع الحكومة العراقية تقوم بتجنيد الأطفال في هذا النزاع.

ونقلت المنظمة عن شهود عيان والبعض من الأقارب أن مجموعتين مسلحتين من “الحشد العشائري” (ميليشيات قبلية) جنّدتا ما لا يقل عن 7 أطفال كمقاتلين من مخيم ديبكة في 14 أغسطس 2016 واقتادتهم إلى بلدة قريبة من مدينة الموصل، حيث تستعد قوات الأمن العراقية لشن هجوم على تنظيم الدولة الإسلامية لطرده من المدينة.

وبينما تركز الحكومة العراقية والمجتمع الدولي الأوسع على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، يتجاهل المسؤولون شباب العراق، أهم مورد في البلاد، والتخلي عنهم يمكن أن يحولهم إلى أخطر تهديد للأمن القومي والإقليمي.

7