العراق بين الإقصاء والتفاهم

الثلاثاء 2014/06/24

لا يمكن فهم الأحداث المتتالية في العراق حاليا من خلال ظاهرة الإرهاب فقط كما تحاول بعض الأوساط السياسية تمريره. فقد تواصل سقوط المدن والمواقع الإستراتيجية العراقية في الأنبار مثلا بسرعة بأيدي المسلّحين التابعين لداعش، بدعم من العشائر السنية التي عاشت ولا تزال اضطهادا طائفيا من قبل حكومة الاستعمار الأميركي الإيراني للعراق. هناك أسباب أخرى متعددة منها ما هو استراتيجي إقليمي، ومنه ما هو داخلي ضمن التركيبة الاجتماعية العراقية ومنه ما هو طائفي ومذهبي.

وفي كل الأحوال تمثل الحرب الأهلية- التي مازالت العراق تعيشها- نموذجا لما يمكن أن تنتجه سياسة الإقصاء ورفض الغير ومحاولة القضاء عليه معنويا وماديا. فالحكومة العراقية قد حاولت إعادة تركيب المجتمع العراقي في المدن الكبرى وفي العاصمة بغداد حتى يتسنى للشيعة الموالية لإيران أن تمسك بالمعطى الاجتماعي والأمر السياسي.

ومن المعلوم أن سياسة الإقصاء لا يمكنها أن تنتج إلا العنف والإجرام والحروب والإبادة. وقد فهم بعمق الغرب ذلك وبدأ في إرساء فلسفة “الغيرية” التي تقوم على الاعتراف بالتنوع الثقافي والمذهبي والديني من ناحية، واعتماد القيم الكونية أو بالأحرى التي ترى أنها كونية والتي لا تقضي على الخصوصية الثقافية والفردية. وقد كنت قد ناديت منذ الثمانينات من القرن الماضي بتكريس فلسفة التنوع في ربوع بلداننا العربية، لأنها قد تحمي شعوبنا من الإقصاء والغربلة والتقتيل باسم أيديولوجية أحادية وكليانية. فالمسارات الفكرية في منظوري التنوع و”الكونية” عديدة ومتشابكة، ولكنها قد تؤدي إلى تسوية ظواهر الاختلافات في مجال القيم والمعايير والتطبيقات بين الطوائف والقبائل والبلدان على حد السواء، كما تؤدي إلى إعطاء صبغة أكثر عالمية لعقلية اقتصادية وتقنية واجتماعية وللتطورات التي تناسبها، وتوجد كذلك مسارات أخرى تسير في اتجاه معاكس فتكشف عن ضرورة وجود فوارق ثقافية وتؤكد على أهمية التلون السياسي والاجتماعي والثقافي وذلك لتحقيق نمو الهوية الثقافية.

فالتجانس والاختلاف هما صفتان تميزان فلسفة التنوع وتحدثان نوعا من التوازن الداخلي والإستراتيجي. وفي واقع الأمر كثيرون هم الذين يرغبون في الإسهام في رصيد التنمية الذي توفره مسارات الكونية، إلا أنهم ليسوا مستعدين للتنازل عن هويتهم الثقافية بل بالعكس، فكلما كانت هذه الهوية مهددة بمسارات تهدف إلى التوحيد القصري والهيمنة الامبريالية ازداد تشبثهم بها.

ففي جميع البلدان وفي جميع الثقافات نشاهد نزاعات بين هاتين القوتين، بين التجانس والاختلاف، فيتجدد الصراع بينهما. وقد لا نخطئ كثيرا عندما نؤكد أن ظواهر الكونية قد تهدد الهوية الثقافية، إذا لم تجد هذا التوازن بين التجانس والاختلاف بصورة دائمة. فخطر ظهور أصولية دينية يزداد ويتجلى في بروز مقاومة ضد ما يهدد بفقدان الهوية الثقافية. لذلك لابد من إعادة تأسيس التثاقف والحوار بين المذاهب والثقافات والأديان من خلال مفهوم الغيرية الذي يقوم على مبدأ احترام الآخر من حيث هو آخر. ولابد من أن نناقش، في هذا الإطار، الخطر الذي يهدد كل بلدان العالم، والمتولّد عن تصورات المتطرفين الرافضين للغيرية، وكذلك النتائج الوخيمة الناجمة عن فكرة إقصاء الآخر سواء كان هذا الآخر داخل الوطن أو خارجه. وفي عملية التفاهم بين الثقافات والمذاهب والأديان تتم تنمية وعي تاريخي مشترك بين الجميع لتبادل الآراء حول الجوانب الإيجابية والسلبية الخاصة بالعلاقات المشركة.

وبما أن الوعي التاريخي يجعل تصوّر ما هو مشترك يمتد إلى المشاكل الراهنة، فإن وجوده سوف يعتبر عاملا مهمّا يساعد على تجاوز الخلافات من خلال التوازن بين التجانس والاختلاف. فإذا ما أردنا أن ننمّي وعيا تاريخيا مشتركا فإنه يكون من الضروري لكل طرف أن يستعد لمناقشة أوضاعه بنفسه ونقدها، وأن يتحلى بالشجاعة ليتصدى لذلك.

فالسبيل إلى ذلك يكون أساسا في الانفتاح على غيرية الآخر، أي في أن يدرك كل منا أن نظرته للعالم مختلفة، وأن هذا الاختلاف ليس عيبا وما وقعت تجربته على أنه “غيرية” في الحوار بين الثقافات والأديان يتشكل في العلاقات التي تربط بين أفراد ينتمون إلى ثقافات مختلفة وإلى مذاهب مختلفة، وكذلك فإن ما هو” خاص” وما هو “آخر” لا يوجد في حدّ ذاته، و”الخاص” و”الآخر” ليس لهما كيان في المطلق وإنما هما وجهان لنفس الشيء يتكونان خلال اللقاء الذي يربط بين أفراد ينتمون إلى ثقافات مختلفة.

إن الغيرية يعيشها الفرد في سياق ما أي في إطار تاريخي وثقافي معيّن ومثل هذه التجربة ليست ممكنة إلا من خلال الانفتاح على الآخر ووجود رغبة في معرفته وذلك بربطه بأفق تفاهم تاريخي وثقافي خاص وإثرائه وبالتالي بتحسين نوعية الحوار بين الثقافات. فإن الاعتراف بحق المتحاورين في الاختلاف الواحد عن الآخر، وفي التعبير عن التنوع الثقافي أمر فلسفي ولكن جدواه تكون أقوى إذا أصبح أمرا سياسيا. فالحق في التنوع هو حق من حقوق الإنسان الذي يستطيع الدخول به في نقاش مع الآخرين.

وحتى يعيش الفرد ضمن منظومة التنوع الثقافي، معها أو ضدها، فمن الضروري أن يتهيأ لفكر متغاير البنية وذلك يعني أن يكون المرء مستعدا للتفكير انطلاقا من الآخر وأن يقبل إقحام الغيرية في طريقة تفكيره الخاصة وطريقة إحساسه وسلوكه. وبإمكاننا في حوار متضافر الثقافات أن نعالج مسائل تخص تعدد الثقافات، وفي الآن نفسه أن ننمّي آفاقا كونية ثقافية من شأنها أن تحسن العلاقات التي تربط الأفراد بعضهم ببعض. ذلك ما نجح الغرب في إرسائه داخل حدوده، بأن طوّر فلسفة الغيرية وجعلها مبدأ التعايش داخل أسواره، كما نجح الغرب أيضا في تطوير فلسفة الإقصاء خارج أسواره وعندنا بالتحديد، حتى نقيم فكرنا وسياستنا على كره الآخر وإقصائه وتقتيله وذلك بمقاصد استعمارية وامبريالية تخول له المزيد من التحكم فينا وفي ممتلكاتنا. ونتيجة الكره معروفة تتمثل في العنف المتواصل في الحرب حتى الفناء بتعبير الفيلسوف الألماني هيجل.


كاتب ومفكر تونسي

9