العراق بين الحمامة والعمامة

السبت 2015/04/04

يشعر المرء بالحيرة حين يعرف أن هناك حزبا شيوعيا عراقيا لا يزال قائما. لا لأن الشيوعية قد انتهت في العالم، بل لأن عالم العقائد بأسره لم يعد يغري أحدا.

لقد تبدل العالم. الآن ليست هناك عقائد جماعية سوى تلك التي تحرك المتطرفين وتغلق الطرق أمام البشر العاديين الذين يرغبـون في العيش الكـريم في ظل حياة حرة.

لقد كان حريّا بالحزب الشيوعي العراقي، وقد تأخر كثيرا عن مسايرة الأحزاب الشيوعية الأخرى في العالم، أن يعلن عن نهايته حين انتهت سلطة حزب البعث بعد الاحتلال الأميركي للعراق.

كان وجود حزب البعث في السلطة الذريعة الوحيدة التي كان يشهرها الشيوعيون أمام أنفسهم تبريرا لتمسكهم بالعقيدة الشيوعية. وهو ما جعلهم يحتمون بتجمعهم القطيعي كما لو أنهم أبناء قبيلة، تعيش بين المنافي بسبب القمع والاضطهاد اللذين مورسا بحقها من قبل النظام الحاكم في بغداد.

كانت تلك القبيلة تجترُّ ذكرياتها النضالية بعد أن حرمت من سبل النضال الواقعي وسط الجماهير التي صارت مع الوقت كيانا افتراضيا.

أما حين سقط نظام البعث فقد التبس الأمر على الشيوعيين وهم يرون حمامتهم، وهي رمزهم، تحط في عش المحتل الأميركي.

يومها نفض الكثير منهم يديه من الانتماء الحزبي وقرر أن يكون شيوعيا بطريقته الخاصة، أما أبناء القبيلة الذين كانوا على يقين من أنهم سيواجهون الضياع في ما تبقى من أيام عمرهم لو أنهم تخلوا عن الحزب، فقد انغمسوا في مشروع الاحتلال، وهذا ما يعني أنهم فضلوا الخيانة (خيانة مبادئ الحزب ومن ثم الوطن) على ضياعهم الشخصي.

ولكن حلا من ذلك النوع لم يكن منصفا لما انطوى عليه من سخرية من التاريخ وابتذال كانت النفعية الانتهازية شعارا له.

لقد كان واضحا قبل أن يقع الغزو الأميركي أن مشروع الاحتلال إنما يقوم بشكل أساس على العمائم السنية والشيعية والكردية. فعلى أي من تلك العمائم ستبني حمامة السلام الشيوعية عشها؟

تاريخيا كان الحزب الشيوعي دائما كيانا سياسيا غير مرحب به من قبل العمائم. نهاية الخمسينات من القرن الماضي أصدر محسن الحكيم، وكان يومها المرجع الديني الأعلى للشيعة، فتواه التي نصت على أن الشيوعية كفر وإلحاد.

بعد تورطهم في مشروع الاحتلال روج الشيوعيون لفكرة أن تلك الفتوى كانت ملفقة. وهي فكرة لم ترق لعمائم النجف فلم تقابلها إلا بمزيد من التجهم.

وحين رشح زعيم الحزب الشيوعي العراقي نفسه ضمن قوائم التحالف الشيعي من أجل الوصول إلى مجلس النواب خرج صفر اليدين وباء مسعاه بالفشل. لقد حاول الرجل أن يخدع الشارع بشيعيته، غير أن سمعته الشيوعية كانت قد خذلته.

فهل انتصرت العمامة يومها على الحمامة؟ من وجهة نظري فإن الحمامة كانت قد هُزمت منذ وقت بعيد، ولم تكن الهرولة وراء مشروع الاحتلال بما انطوى عليه من خيانة ومهانة وتخل عن المبادئ، سوى نتيجة طبيعية لفشل سياسي امتد لعقود، كان الشيوعيون خلالها يجدون في نظام البعث الحاكم في بغداد سببا قاهرا يمنعهم من العمل بين الجماهير.

في الحقيقة كان الشيوعيون قد قبلوا بالهزيمة صاغرين يوم قررت قيادتهم عام 1979 الالتزام بفقرات اتفاق سوفيتي – عراقي ينص على مغادرتها الأراضي العراقية. يومها طارت الحمامة لكي لا تعود مرة أخرى.

سيقال إن القيادة الشيوعية يومها كانت قد غدرت بقواعدها، غير أن ما يجب الاعتراف به إنصافا لتلك القيادة، أنها كانت حريصة على إنقاذ أكبر عدد ممكن من أتباعها من الإبادة.

غير أن ذلك لا يعني شيئا أمام تخليها عن المقاومة والصمود أمام مخططات إزاحتها من المشهد السياسي العراقي. ففي المنافي التي عاش فيها الشيوعيون لم يكن النضال الشيوعي ممكنا.

لقـد عـاش شيوعيو العـراق سنوات طويلة باعتبارهم زبائن مقاه وحانات ليس إلا.

أما حين أعادهم حزبهم إلى العراق، فلم يكونوا سوى مرتزقة أعداء. وكانت حمامتهم قد اختفت منذ زمن بعيد.

كاتب عراقي

9