العراق بين انتخابين

الانتخابات العراقية الأخيرة أربكت الأحزاب المسلحة وأفقدتها صوابها إلا أنها لم تُخرج الملايين من العراقيين الشيعة والسنة والكرد من بيوتهم ودكاكينهم وأسواقهم الشعبية ومدارس أطفالهم لردع المتطاولين على الشعب وعلى الدولة.
الخميس 2021/10/28
هذا هو عراق اليوم

مقدما ينبغي أن نعترف بأن ولاية فقيه إيران لا تتحمل كارثة خروجها مطرودةً من العراق. وستضع كل ما في حوزتها من فنون الترضية والتلويح بالعقاب في مخاطبة معسكر أولادها الخاسرين والفائزين في الانتخابات، فإن لم يجنحوا إلى التفاهم والتناغم والتقاسم و“التراهم” فلن يبقى أمامها سوى الضرب على أيديهم بشدة، بجيوشها الخارجية التي أسسها القتيل قاسم سليماني، فإن لم ينفع فبحرسها الثوري المرسل من إيران.

لن تسمح لهم ولأعدائهم بتهديد وجودها في العراق، حتى لو اضطرت إلى حرق البلاد والعباد، لئلا تتجرع كأس سمٍ آخر، ولئلا تبدأ رحلة عودتها الإجبارية إلى داخل حدودها لتواجه شعوبها الناقمة المتربصة التي تترقب الفرصة المواتية لوضع نهاية كاملة لكابوسٍ استمر اثنين وأربعين عاما، أو يزيد.

بعد ثماني عشرة سنة من الكذب والتضليل والتجهيل، ومن الحرق والخنق، ومن الجنازات والاختلاسات وتزوير الشهادات، والتخابر مع الأجنبي، ما زال الخاسرون والفائزون في الانتخابات غير قادرين ولا راغبين في أن يفهموا الدرس

بالمقابل هناك الولايات المتحدة قبل غيرها وأكثر من غيرها. ولا يمكن، ولا حتى في الأحلام، أن تدع العراق بأهله وأمواله وموقعه وثرواته لإيران أو لغيرها.

ولكل واحدةٍ منهما أدواتها وخباياها وخدمُها المتعقلةُ رواتبُهم ومناصبهم ومكاسبهم بأذيالها، والصديق وقت الضيق.

وبين إيران والولايات المتحدة يختبئ وكلاء آخرون ومخبرون ومتموّلون من الاتحاد الأوروبي وتركيا وروسيا والسعودية وقطر ومصر والأردن… وفي هذا العراق الملغوم أصبحت عينُ أي رئيس أو وزير بصيرةً ويدُه قصيرة، وصار عليه أن يسير بين حقول الألغام مخافة الدخول في المناطق الحرام.

هذا هو عراق اليوم، وهو العراق الذي سيكون في قادم الشهور، وربما السنين.

فالثابت المجرب أن أيّ متلاعب خارجي بأمن المجتمع العراقي وسلمه ورزقه لا يُضمر له خيراً، ولا يريد أن يراه محرَّرا مستقلا موحدا مزدهرا قويا كما كان، وقادرا على طرد خلايا مخابراته المعلنة والمستترة، وعلى وكلائه ومخبريه كافةً، خصوصا إذا كانوا رؤساء أو وزراء أو مدراء أو سفراء أو أصحاب ائتلافات أو قادة ميليشيات أو رؤساء عشائر أو أئمة مساجد أو حسينيات.

وقد يتحقق هذا الحلم في الانتخابات القادمة في 2025 حين يكون الوعي الوطني الثوري الشعبي العراقي قد بلغ رشده واشتد ساعده، وصار في إمكانه أن يفرض إرادته على أرضه وسمائه ويحمي حدوده من كل شر.

وسوف يحدث هذا، مؤكداً، فقط حين يُنتج الناخبون التشرينيون الصناديد برلمانا ليس فيه نوابٌ يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ويجاهرون ولا يخافون ولا يستحون بعمالتهم لهذه الدولة أو تلك، ولرئيس هذه الكتلة أو ذاك. وقد يبدو هذا أمراً صعباً وشاقاً وأثمانُه باهظة، ولكن ليس بمستحيل.

أما في البرلمان المُرقّع الذي أخرجته الانتخابات الأخيرة والذي تبين أنه هو المقدر والمكتوب على العراقيين للسنوات الأربع القادمة، فسوف تظل الدولة العراقية كسفينة نوح حاملةً فيها من كل زوجين اثنين.

ولكن الوقائع الإيرانية الداخلية والخارجية تبشرنا بأن هذا اليوم قريب، وربما أقرب من حبل الوريد، ولكنه قد لا يتم غدا أو بعد غد، أو بعد عام، ولكنه مؤكد المجيء، وربما قبل موعد الانتخابات العراقية القادمة.

ومن الآن وحتى موعد هذا اليوم السعيد يتوجب على النخبة المتفتحة الشبابية الصاعدة في بغداد والمحافظات والأقاليم أن تنشط وتتحرك ليلا ونهارا، سراً وعلانية، من أجل تأصيل ثقافة المقاومة الوطنية الثورية الجديدة التي تؤمن بأن لا حياة لهذا الوطن إلا بأن تُعوّمَ رئاساتُه الثلاث، وتُحرر من لعبة “هذا لي وذاك لك”، فيصبح في إمكان كل عراقي تتوفر فيه الشروط القانونية أن يرشح نفسه لرئاسة العراق، أياً كانت قوميته أو طائفته أو دينه، على أن يُنتخب مباشرة من الشعب، ويصبح المخوَّلَ الوحيد باختيار رئيس وزراء يثق به ويرى فيه القدرة على إدارة الحكومة بما ينفع الناس، دون ضغوط وترضيات وصفقات وتقاسمات ووصايات طائفية أو عسكرية أو عشائرية، داخلية أو خارجية، أسوةً بدول عديدة في العالم تحترم نفسها وشعوبها.

وإلى أن يتحقق هذا الأمل البعيد، وغير المستحيل، سيظل قادة أصحاب الكتل والائتلافات الشائخة يتقاسمون البلاد والعباد، وستظل المناصب والوظائف سلعا معروضة للبيع وللإيجار، ومن نصيب الطالح قبل الصالح، والعميل قبل المخلص الأصيل، حتى وإن لم تتوفر فيه كفاءة ونزاهة وخبرة وثقافة وإيمان بوحدة الوطن وأهله.

الثابت المجرب أن أيّ متلاعب خارجي بأمن المجتمع العراقي وسلمه ورزقه لا يُضمر له خيراً، ولا يريد أن يراه محرَّرا مستقلا موحدا مزدهرا قويا كما كان

صحيح أن الانتخابات الأخيرة أربكت الأحزاب المسلحة وأفقدتها صوابها، وأنزلتها إلى الشوارع والساحات لتُحرق إطارات السيارات وتقطع الطرق وتصدر بيانات التهديد والوعيد، إلا أنها لم تكن قادرة على إخراج الملايين من العراقيين الشيعة والسنة والكرد من بيوتهم ودكاكينهم وأسواقهم الشعبية ومدارس أطفالهم لردع المتطاولين على الشعب وعلى الدولة، ولإعانة الحكومة وقواتها المسلحة على فرض النظام وإعادة الأفاعي السامة إلى جحورها.

فبعد ثماني عشرة سنة من الكذب والتضليل والتجهيل، ومن الحرق والخنق، ومن الجنازات والاختلاسات وتزوير الشهادات، والتخابر مع الأجنبي، ما زال الخاسرون والفائزون في الانتخابات غير قادرين ولا راغبين في أن يفهموا الدرس، ويتعلموا أن الشعب العراقي المعروف بأنه شعب الثورات المفاجئة يُمهل ولا يهمل، وأنهم إن لم يعتدلوا وإن لم يسمحوا بولادة الوطن الحر السعيد الجديد فسوف يدركهم الموت على يديه، حتى لو كانوا في بروج مشيدة.

يقول الرئيس برهم صالح “إن العراقيين يريدون حكومة نظيفة تتمتع بالكفاءة”، و”يريدون بلداً قويا ليس فيه جماعات مسلحة خارج إطار الدولة”، و”إن العراق سينجح فقط إذا أصبح بلدا مستقلا ذا سيادة”، و”يجب ألا يكون العراق دولة تابعة لغيره”. وعراقيون كثيرون يرددون معه نفس هذا الكلام الجميل، أما الفعل ففي انتظاره عشراتُ الملايين، وإن غدا لناظره قريب.

8