العراق بين مأدبتين، والثالثة ثابتة

الخميس 2015/08/20

يتبادر إلى ذهن نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق، أنه قادر على تحصيل الخلاص من خطاياه السابقة واللاحقة والضحك على ذقون العراقيين بزيارة مبتورة، معنى وغايات، أداها مؤخرا إلى طهران، وأنّه نزع عنه نزر سنوات عجاف من حكم الفساد المنظّم وتغلغل الفضائيين في مفاصل دولة تكابد لتوّها للخروج من ربقة غزو أميركي عمل على تفكيكها كأن لم يفعل التتار يوما ذات غزو.

ببهرجه الموحي بـ“بواس ذات اليدين”، ينكفئ على ركبتيه مقبلا يد الولي، بكل ما تحمله الزيارة من تزلف، طالبا وساطة الأولياء ليطمسوا ما نفذه لهم من أوامر على مدى عقد ونيف من قهر العراق وأهل العراق وكمد العراق. ينسى المالكي، ومع كل طلة يقصد بها خلاصا لنفسه ومن والاه، أنه عمل بجهد كي لا ينسى العراقيون خطاياه في حق العباد، ودولة النهرين وما بينهما من مداد.

المطالبة بالماء ورفع الظلم سيان في أجندة العراقيين الثائرين اليوم، وكذلك التّوق للنور بمصدريه الكهربائي والنفسي لا تكاد تعبّر عن ضيم حاد من ظلام الدنيا حتى تعانق المطالبة بفقءِ عيني من حال دون ذاك النور بمَعنيَيْهِ المعلن والمضمر.

المطالبة بالماء والكهرباء، وهما اللذان غمرا ضفاف الفرات ودجلة على مدى عقود، ليست سوى مطلب ملحّ وإنارة ظلمة يُكتب فيها نصف تاريخ العراق الثوريّ اليوم، ونصف آخر تسطر ثناياه في إيران، سيدة المالكي، وأمّ نعمة حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي الحالي، إلى أن يثبت براءته.

الاحتجاجات التي أطلقت شرارتها في العراق، تنبئ في أولى تداعياتها، بأنّ صراعا معلنا على عشاء دسمٍ قد انطلق لتوه بين خلّيْن ربيبيْن، أحدهما وهو المالكي، يعلن الولاء صراحة لصقور الولي الفقيه الطامحين لنيْل الكل ولا شيء دونه بطرائقهم البالية التي لا يعد الفساد سوى أساس من أسسها، والآخر، العبادي، يوالي الإصلاحيين، الذين يطمحون لتحقيق نفس الغاية، وفق أحجية دبلوماسية، تمكنت لحين من صياغة مسودة اتفاق نووي مع الغرب يطمحون من خلالها لعقد مصالحة تحفظ لإيران مسارب نفوذها الإقليمي، ولهم مكامن نفوذهم الداخلي.

المأدبة العراقية مأدبتان على مائدة واحدة؛ والطرفان “عراقيان” والمستفيدان إيرانيان بوجهين متباينين، ولكن بحلة واحدة، وتحت جبة الولي الفقيه ذاته.

يزور المالكي إيران ليسترضي داعميه في نظامها، فيقطع العبادي عليه الطريق ليسترضي من هم أكثر منه ولاء للمرشد الأعلى علي خامنئي وأقرب منه إلى قلبه ورؤياه. الحصيلة ملف قانوني يتهم فيه المالكي بفساد، ثابت عليه أصلا، اعتمد لإرضاء العراقيين الثائرين وامتصاص غضبهم، سيظل الحكم فيه حتما طيّ رفوف خزائن المحاكم العراقية دون أن يلمس ابن خامنئي المدلّل (المالكي) بأذى قريب، ووثيقة إصلاحات صيغت لتبييض وجه إيران الجديد في العراق (العبادي)، لكي يتلاءم مع “بياض” وجهها الذي تسعى لتقديمه للعالم الذي كان يُدينها بكل ما للإرهاب من معنى.

وفي خضم هذه الفورة الولائيّة التي تضع العراق بين مأدبتين المستفيد منهما واحد، بتصرف، يظل الغائب عن هذا وذاك من أتباع الملالي، أن العراق وضِعَ قسرا عن خياراتهم، وبطواعية من عموم أهله الصّادقين، على مأدبة ثالثة ثابتة في أهدافها ثبات الأمّ التي تأكل أبناءها ولا تسلمهم للذّئب.

ثالثة هي الثابتة، كما يقول سامري البصرة الذي كان يفصل في مسائل النحو والصرف ذات عصر تليد؛ القصد منها أن أيادي الإيرانيين وإن كانت طويلة كي تنهش من لحم العراق زمانا بعمالة المالكي وتعيد النهش مستقبلا تحت يافطة الإصلاح العبادي المبين، فهي لن تقوى على كبح جماح أهل الأرض، ممن جاعوا ولم يرضوا لأنفسهم أن يقتاتوا على منة الناهبين من صافي قوتهم.

هو العراق بتاريخه، يجيب المالكي على زيارة الاستجداء الأخيرة لطهران، ويجيب العبادي على فيلمه المدبلج المسوق لدول الخمس زائد واحد، لا يرضى لنفسه مأدبتين على نخب الولي الفقيه، بل يرضاها ثالثة إرضاء لأنات أهله وطول انتظارهم للخلاص من ربقة من غزاهم بكل لغات أهل الأرض. مأدبة ثالثة على شرف العراقيين الثوريين أنفسهم، الثابت أنّها ستكون الأثبت، والتاريخ شاهد، وقارئه حصيف. هي ثورة على الأصل الذي أنتج كل هذه الفروع.

كاتب صحفي تونسي

8