العراق: تفجيرات وإصلاحات ومظاهرات

السبت 2015/08/15

يشهد الواقع السياسي العراقي وضعا مزريا، في ظل تحولات دراماتيكية كبيرة متناقضة يشهدها الشارع اليوم، من تفجيرات دموية تضرب العراق كله، إلى مظاهرات تملأ شوارعه، إلى إصلاحات حكومية واسعة دون أن تصل إلى جوهر المشكلة التي يعيشها العراقيون منذ عام 2003 إلى اليوم. فكيف يخرج العراق من مآزقه هذه وجميع ذئاب الأرض تتربص به على الأبواب، ولا تسمح له أن يرفع رأسه، ويتخلص من هذا الوضع الكارثي الذي وضعته فيه الإدارة الأميركية عندما غزته قبل 13 سنة، لذلك سنقدم بعض الحلول التي نعتقد أنها تشكل حلا جذريا لأزمات مستعصية، استنتجناها من الواقع السياسي العراقي الذي يشهد تعقيدا وتوترا، يصل إلى نهايات الاحتراب الطائفي، وسط حرب طاحنة بين طرفي الإرهاب الدولي، المتمثل في الميليشيات الإيرانية التي تبسط سطوتها على كل العراق، وبين سيطرة داعش على مدن رئيسية فيه.

لا نغالي إذا قلنا إن العراق على شفا الهاوية، والدليل على ذلك التفجيرات الدموية التي تتحكم بها ميليشيات إيران وداعش، ويذهب ضحيتها دم عراقي طهور، وهو إرهاب يضرب العراق بكل قوة مثلما حصل في تفجيرات مدينة الصدر وقصف الفلوجة، وتوازن الدم بين الميليشيات وداعش.

هكذا تتصاعد حدة الحرب الطائفية لأغراض دعائية وإشارات واضحة للثورة التي هزت عرش طواغيت المنطقة الخضراء والمفسدين من العمائم التابعة للولي الفقيه الايراني ومرشدها الخامنئي. الحرب أصبحت علنية واضحة بين من يتبع ولي الفقيه الإيراني، وبين داعش ومريديه وأتباعه. في خضم هذا الصراع الدموي بين طرفين تلعب إدارة باراك أوباما لعبة القط والفأر، لإضعاف وإرباك الوضع العراقي، ولكي لا يخرج من الطرفين منتصر.

تأتي الثورة العراقية لتعم جنوبنا الغاضب والحانق على العمائم الفاسدة والسياسيين الفاسدين وعلى الأحزاب الموالية لإيران. “إيران برة برة كربلاء تبقى حرة”، أو “إيران برة برة بغداد تبقى حرة” شعارات تمثل إشارة صارخة على رفض العراقيين في الجنوب العزيز للتواجد الإيراني وتدخلاته في العراق. وهكذا خرجت أصوات النشاز الإيرانية تهاجم التظاهرات وتصفها بالكافرة، لأن رموزها وأتباعها ومصالحها قد ضربوا ولم يعد لهم مكان في العراق بعد اليوم، عندها خرجت ما سمي بحزمة إصلاحات العبادي، وأردفها سليم الجبوري رئيس مجلس النواب بحزمة أخرى، إلا أن هذه الاصلاحات في ظاهرها وباطنها، لا تلبي طموحات شعبنا وطموحات ثورتنا، ورجالها الذين زلزلوا الأرض تحت أقدام الفاسدين من وزراء ونواب وبرلمانيين وشخصيات حزبية كبيرة فاسدة وأحزاب السلطة، فشهروا أسلحتهم ضد الثورة وأرادوا وأدها وسرقتها وركوب موجتها، إلا أن وعي الثوار أعلى من خطط الفاسدين.

فالإصلاحات الترقيعية التي يضحكون بها على السذج من الناس ممن هلل للعبادي وإصلاحاته الوهمية، التي أراد أن تنطلي على الثوار قبل الشعب، فقبرتها الثورة ورفضتها. وقريبا سيتم إعلان الشروط الفاصلة التي تمثل أهم مطالب الشعب وهي إلغاء البرلمان والدستور ومحاكمة الفاسدين وعلى رأسهم نوري المالكي ومدحت المحمود والبقية. وتكون الإجراءات فورية لا بالتقسيط كما أعلن العبادي نفسه. ودون هذا ستتحول الثورة من مرحلة التظاهر إلى مرحلة الاعتصام والانتقال من ساحة التحرير إلى داخل المنطقة الخضراء، هذا هو القرار الأخير للثوار والثورة، وعلى العبادي ومجلس النواب، الانصياع لإرادة الشعب لأنه مصدر السلطات، وساحة التحرير هي الآن من يعطي شرعية الحكومة والمجلس. وما قام به العبادي، ومجلس النواب، هو تخدير لا تغيير. نعم لمسنا ارتياحا شعبيا واضحا، ولمسنا استجابة حكومية وبرلمانية، ولكنها لا تسد رمق المتظاهرين ولا تلبي الطموح.

إن تدخل إيران المباشر لإفشال الثورة وتفريغها من محتواها، هو أمر معروفة أهدافه، وعلينا أن نفشل هذا المخطط بإصرارنا على التظاهر السلمي، مع تدويل التظاهرات والطلب من الدول العربية، وغير العربية، دعمها بكل قوة، إعلاميا وسياسيا، وهذا أقل واجب قومي يعيد العراق إلى الحضن العربي، ويخلصه من براثن إيران التي تريد أن تصبح بغداد عاصمة الإمبراطورية الفارسية.

وبالتالي نجاح ثورة العراقيين، وقصقصة أذرع إيران ودحر داعش، ضمان لأمن الخليج والأمة العربية من الإرهاب وتداعياته على مستقبلها. اليوم العراق، والأمة العربية، في مفترق الطرق، وهذه الثورة هي بداية خلاص العرب من التبعية الإيرانية ودحر المشروع الإيراني الصفوي في المنطقة، ولذلك لابد من دعمها وإسنادها بكل قوة، أما أميركا فموقفها هو موقف المتفرج على الخراب، لا تهمها إلا مصالحها التي ضمنتها بإضعاف العراق وتدميره. ولهذا جاءت الثورة العراقية لتصحيح المسار مهما غلت التضحيات وأرى أن الثورة بدأت ناضجة وواعية ومنظمة، رغم التعتيم الإعلامي الحكومي والعربي عليها لأغراض وأهداف معروفة، وهي تتصاعد بمطالبها وبزخم أعدادها، والمفرح هتافاتها المدوية التي مزقت ستائر الأعداء وخلخلت أوضاعهم وصار الصراخ على قدر الألم، الإيراني والسلطوي.

العراق ماض بتظاهراته مطالبا بالإصلاح الحقيقي، لا الترقيعي، وطالبا وضع النقاط على الحروف، لا بإضاعة الوقت بإصلاحات شكلية ورمزية. الهدف الجوهري للثورة إسقاط دستور بول بريمر وقوانينه التعسفية ومحاصصاته الطائفية وتداعياتها، إضافة إلى إحالة رموز الفساد إلى القضاء، بعد تغييره وإزاحة رئيس مجلس الفساد الأعلى مدحت المحمود عن سدة القضاء، عندها فقط يمكن لسفينة العراق أن تسير إلى بر الأمان الذي ينشده كل عراقي شريف.

كاتب عراقي

8