العراق: ثورة متجذرة وسلطة رافضة للإصلاح

أساليب القمع الوحشي، التي تستخدمها السلطة أصبحت ترتد عليها. فقتل المتظاهرين لم يفعل إلا أن ألهب مشاعر النقمة ودفع حراكاً شعبياً محدوداً للتحول إلى ثورة شعبية.
السبت 2019/11/09
ثورة نتيجة تراكم المظالم وتشديد خناقها على الشباب

اكتشف العراقيون بعد ثورتهم التي انطلقت قبل نحو شهر مهمة جديدة للطبقة السياسية الحاكمة، فضلاً عن وظيفتها الرئيسية المتمثلة في نهب موارد الدولة، وهي الدفاع عن القنصلية الإيرانية وكل ما يرتبط بطهران في بلادهم. إذ قتلت قوى الأمن والميليشيات الطائفية المرافقة لها المحتجين الغاضبين الذين حاولوا اقتحام السفارة الإيرانية في مدينة كربلاء. تنشر السلطات القناصة على أسطح المباني التابعة لطهران وميليشياتها وتعمل على اصطياد المتظاهرين بدم بارد، رافعة حصيلة الشهداء بصورة مستمرة.

لكن أساليب القمع الوحشي، التي تستخدمها السلطة أصبحت ترتد عليها. فقتل المتظاهرين لم يفعل إلا أن ألهب مشاعر النقمة ودفع حراكاً شعبياً محدوداً للتحول إلى ثورة شعبية كاملة الأوصاف. مع ارتفاع حصيلة الشهداء، استعر الغضب الشعبي وارتفعت أثمان التراجع عما بدأه العراقيون. يبدو طريق التغيير مكلفاً وعسيراً، لكن التراجع عنه بات أكثر كلفة وأشد إيلاماً. “لا يوجد ما نخسره” يصرخ المتظاهرون على شاشات التلفاز رافعين قبضاتهم ومتوعدين السلطات بمواصلة الثورة.

بالفعل، لم تترك القوى الحاكمة حتى الفتات، الذي كان يعين شرائح واسعة من العراقيين في حياتهم المضنية. يستغرب أحد الشبان المحتجين من فكرة أن بلاده تملك رابع أكبر احتياطيات النفط في العالم فيما يحصل هو على رزقه الشحيح من عربة لبيع الخضروات. لكن شراهة التحالف الأوليغارشي الحاكم لا تعرف حدوداً، إذ لم يسرق كل موارد البلاد، بل صادر حتى العربة التي يعمل عليها هذا الشاب.

يلتهم الفساد القائم على المحاصصة الطائفية موارد الدولة وقدراتها على تقديم الخدمات. فبعد كل انتخابات برلمانية، تتقاسم الكتل المهيمنة الحقائب الوزارية أثناء تشكيل الحكومة. هذا التقاسم هو جوهر مشاورات تشكيل أي حكومة في العراق، فلا ضير في أن تمتد لأشهر حتى يحصل توافق يرضي الأطراف المنخرطة. ليس هنالك مشاورات حول البرنامج الاقتصادي الأمثل، ولا دراسة جادة لأوضاع السكان المتدهورة بحدة، بل تركز القوى السياسية جهودها على ضمان حدوث “تقاسم عادل” لثروة الشعب العراقي فيما بينها.

وبعد تشكيل الحكومة، يتسابق الوزراء الجدد إلى منح الوظائف الحكومية لأفراد من أحزابهم وتكتلاتهم السياسية وأقربائهم. أدى ذلك إلى تضخم أعداد موظفي الدولة بصورة هائلة من نحو 850 ألفا في العام 2004 إلى نحو 7 ملايين موظف في العام 2016. وفضلاً عن ذلك، يقوم الوزراء الجدد بمنح الاستثمارات والوكالات الاقتصادية للشركات المرتبطة بشبكتهم الزبائنية وبداعمهم الإقليمي، أي إيران. وبطبيعة الحال لا تَجري محاسبة هذه الشركات وتتبع أدائها، وهو ما يفاقم سوء الأداء الاقتصادي.

راقب العراقيون هذا النهب المنظم والشره لموارد البلاد منذ15 عاما وهو لا يني يتكثف ويتوسع حتى لم تعد مؤسسات الدولة سوى آلة قمع متمثلة بالأمن والجيش. حتى هذه الأخيرة أظهرت عجزها التام وفسادها المزمن في مواجهة تنظيم داعش عام 2014، حين تهاوت خلال أيام أمام عناصر التنظيم الإرهابي.

كانت الثورة نتيجة تراكم تلك المظالم وتشديد خناقها على الشباب بصورة خاصة. ذلك أن نحو ستين بالمئة من السكان هم دون الرابعة والعشرين من العمر. هذا خزان بشري هائل وطاقة لا يمكن للسلطة العراقية، وحتى بمساعدة ودعم طهران، أن تبقيها حبيسة القمقم. قبل أشهر فقط، كانت الأحزاب الطائفية الحاكمة تدفع العراقيين إلى التظاهر والمطالبة بخروج القوات الأميركية من بلادهم، لكن الملايين من العراقيين اليوم يطالبون برحيلها هي بالذات وبرفع يد إيران عن سيادة العراق ومستقبله.

8