العراق.. داعش يعود إلى مخططات ما قبل إعلان "الخلافة"

المناطق الغربية من محافظة نينوى شمالي العراق تعاني من تصاعد غير مسبوق لهجمات تنظيم الدولة الإسلامية.
الثلاثاء 2019/07/09
حملة لتطهير العراق من الدواعش

لم يكن إعلان السلطات العراقية في أواخر 2017 عن القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، كافيا لتخليص العراق من الهجمات الانتحارية المتكرّرة التي يشنها البعض من مقاتلي التنظيم المتطرف في بعض المناطق التابعة لمحافظة نينوى شمالي العراق، في مشهد يصفه الكثير من المتابعين بأنه يُعيد إلى الأذهان ذلك الملـمح الذي ظهر به التنظيم الإرهابي عام 2014، عندما أعلن عن دولة الخلافة من مدينة الموصل، وهو ما يفتح الجدل مرة أخرى حول ضعف الدعم الحكومي للحشود العشائرية السُنية التي لا تمتلك تسليحا ولا تجهيزا ثقيلا، على عكس فصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران.

بغداد - تؤكّد السلطات العراقية في السنوات الأخيرة أي بعد إعلان القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، أن قواتها تسيطر على الأوضاع على الحدود مع سوريا، لكن تواتر الهجمات التي ينفذها مقاتلون من داعش أجبرت حكومة بغداد على أن تعلن من جديد عن إطلاق حملة لتطهير مناطق تقع بين محافظات شمال وغربي العراق، حتى الحدود مع سوريا.

وعلى وقع هذه المحاولات الداعشية المتجدّدة، يصف خبراء الاستراتيجيات القتالية الجديدة لمقاتلي التنظيم بأنها تريد العودة إلى نفس المخططات التي مكّنتهم في السابق وتحديدا عام 2014 من السيطرة على أجزاء هامة من الأراضي العراقية، خاصة أن التحركات الأخيرة في بعض المناطق تتزامن مع يعتبرونه إحياء ذكرى “إعلان دولة الخلافة” في 29 يونيو 2014.

وتعاني المناطق الغربية من محافظة نينوى شمالي العراق، ولاسيما قضاء البعاج قرب الحدود مع سوريا، من تصاعد غير مسبوق لهجمات تنظيم الدولة الإسلامية.

كل هذا يعيد إلى الأذهان الوضع قبل يونيو 2014، عندما أعلن “داعش” عن دولة الخلافة بمدينة الموصل، مركز محافظة نينوى، على ثلث مساحة العراق، انطلاقا من صحراء نينوى.

وقبل ذلك التاريخ، اتخذ داعش من مناطق الجزيرة بمحافظتي نينوى والأنبار مقرات لعناصره، وفتح فيها معسكرات عديدة، وهاجم منها القوات والمدن العراقية، ما أسفر لاحقا عن سيطرته على الموصل والأنبار وصلاح الدين.

وغالبية سكان قضاء البعاج (170 كم جنوب غرب الموصل) هم من العرب السُنة، ويحد القضاء من الشمال جبل سنجار، ومن الشرق قضاء الحضر، ومن الغرب الحدود السورية، ومن الجنوب مناطق الجزيرة الممتدة إلى الأنبار وصلاح الدين.

الصحراء الملاذ الآمن

شهد البعاج، أكبر قضاء عراقي من حيث المساحة، مؤخرا هجمات متعاقبة لمسلحي داعش استهدفت قرى عديدة. وشن التنظيم المتطرف، أواخر يونيو الماضي، هجومين على قرية الخزرجية، ما أسقط أربعة قتلى، بينهم ثلاث نساء، إضافة إلى خمسة جرحى، من سكان القرية المنتمين إلى عشيرة شمر العربية.

وتضع هجمات داعش في موضع شك إعلان وزارة الدفاع العراقية المتكرر عن أن قواتها تسيطر على الأوضاع في مناطق الجزيرة والبادية والشريط الحدودي مع سوريا.

وفي ظل مخاوف متصاعدة من عودة داعش، الذي أعلنت بغداد الانتصار عليه أواخر 2017، أطلقت الحكومة العراقية عملية عسكرية، الأحد؛ لتطهير مناطق تقع بين محافظات شمال وغربي العراق حتى الحدود مع سوريا.

ودمرت القوات العراقية، الأحد، 11 وكرا بين معسكر وملجأ، وكميات كبيرة من المواد المتنوعة الخطورة لـ”داعش” الإرهابي، في نتائج أولية لعمليات “إرادة النصر” التي انطلقت صباحا بدعم من التحالف الدولي ضد الإرهاب.

تنتشر مجموعات صغيرة من الحشود العشائرية السُنية، وهي لا تمتلك تسليحا ولا تجهيزا ثقيلا، على عكس فصائل الحشد الشعبي (شيعية)

وأعلنت قيادة العمليات المشتركة، في بيان أوردته خلية الإعلام الأمني، عن نتائج تحققت من المرحلة الأولى لعمليات “إرادة النصر” التي انطلقت بها القوات المسلحة، بإشراف قيادة العمليات المشتركة، وبإسناد من طيران الجيش والقوة الجوية وطيران التحالف الدولي لتطهير المناطق الواقعة بين محافظات صلاح الدين، ونينوى، والأنبار إلى الحدود العراقية السورية. ووصف عضو مجلس محافظة نينوى عن قضاء البعاج، خلف الحديدي، ما يحدث في القضاء بأنه تناوب على مسك الأرض بين القوات الأمنية وداعش.

وشبه الحديدي، الفترة الراهنة بالفترة التي سبقت احتلال داعش لمدن عراقية، من حيث تحركات التنظيم، وتنامي قدراته. وتابع قائلا “هناك تصاعد واضح في هجمات داعش كما في الفترة التي سبقت سيطرة التنظيم على الموصل”.

وأوضح أن “الإرهابيين يتواجدون في المناطق الصحراوية، وهي بمثابة الملاذ الآمن لهم حاليا”.، مضيفا “مسلحو داعش يفرضون سيطرتهم على قضاء البعاج في الليل، بينما تسيطر القوات الأمنية عليه في النهار”.

وشدد على ضرورة “تدارك هذا الخطر الحقيقي، الذي يهدد مناطق غربي نينوى، ويمكن أن ينتقل إلى الموصل”.

أما النائب عن نينوى، أحمد مدلول الجربا، وهو ينحدر من قضاء البعاج، فقد حذر من تنامي خطر داعش في مناطق غرب الموصل. وقال إن “داعش يهدد بشكل كبير مناطق غربي نينوى، وخاصة مناطق جنوب البعاج باتجاه الحدود السورية، وجنوب ناحية تل عبطة وقضاء الحضر”.

وعزا تدهور الوضع الأمني إلى عدم كفاية القوات الأمنية الدائمة في تلك المناطق، وعدم عودة النازحين من أهالي تلك القرى والمناطق، منذ أن نزحوا عنها خلال عمليات استعادة القضاء من داعش، في يونيو 2017.

وحذر الجربا من أن أمن الموصل والعراق عامة في خطر، إذا لم تعالج الحكومة الاتحادية بشكل دائم نقاط الخلل في الملف الأمني بمناطق غربي نينوى.

الحشود العشائرية

هل تفرض هيمنتها
هل تفرض هيمنتها

وبالأساس، تنتشر في قضاء البعاج ألوية من الجيش تابعة للفرقة العشرين، التي تسلمت الملف الأمني في القضاء، بعد انسحاب قوات الحشد الشعبي منها، قبل ثلاثة أشهر.

كما تنتشر مجموعات صغيرة من الحشود العشائرية السُنية، وهي لا تمتلك تسليحا ولا تجهيزا ثقيلا، على عكس فصائل الحشد الشعبي (شيعية).

المخاوف ذاتها أكدها النائب عن نينوى، عبدالرحيم الشمري، واتهم السلطات الاتحادية بإهمال مناطق الجزيرة (المناطق الغربية) في نينوى لفترة طويلة.

وأضاف الشمري أن ذلك الإهمال أدّى إلى زيادة نفوذ داعش، وخاصة في عمق الجزيرة الممتدة بين محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار، وصولا إلى الحدود السورية.

وشدد على أن المناطق الحدودية بين العراق وسوريا خالية من قوات حرس الحدود العراقية، وقوات الجيش المنتشرة هناك بشكل دائم غير قادرة على ضبط الأمن لوحدها.

ورأى أن “الحل الوحيد لتأمين الشريط الحدودي ومناطق الجزيرة لا يكون إلا من خلال دعم الحشود العشائرية، التي ينتمي مقاتلوها إلى تلك المناطق والقرى”.

وقبل هذه التطورات سبق لتقرير أعده معهد دراسات الحرب (ISW)، وهو مؤسسة أبحاث غير حكومية مقرها واشنطن، تحت عنوان “عودة داعش الثانية: تقييم تمرد داعش المقبل”، من أن التنظيم يستعد للعودة، وعلى نحو أشد خطورة، رغم خسارته للأراضي التي أعلن عليها إقامة ما تُسمى بـ”دولة الخلافة” في الجارتين سوريا والعراق.

ولمعالجة الوضع الراهن، أعلنت وزارة الدفاع العراقية انطلاق عملية “إرادة النصر”، صباح الأحد؛ لتطهير مناطق تقع بين محافظات شمال وغربي العراق، وصولا إلى الحدود مع سوريا.

وأفادت قيادة العمليات المشتركة (تابعة للوزارة)، في بيان لها، ببدء عمليات واسعة لتطهير المناطق المحصورة بين صلاح الدين ونينوى والأنبار إلى الحدود العراقية السورية.

وأضافت أن قطعات كبيرة من كل من الجيش والحشد الشعبي، تشارك في العملية، وكذلك الحشد العشائري.

وأضافت أن العملية تستمر عدة أيام، وتتم بدعم جوي من طيران الجيش والتحالف الدولي لمحاربة داعش، بقيادة الولايات المتحدة.

12