العراق.. دعوة ملتبسة وأهداف مشبوهة

انتفاضة العراقيين أفقدت السيد مقتدى الصدر الكثير من وزنه وجعلته مكشوفاً، وإطلاق دعوته من طهران أكد أنه ليس أكثر من أداة يحركها الولي الفقيه في الاتجاهات التي تخدم مصلحة إيران.
الأربعاء 2020/01/22
دعوة ملغومة

من أهم ما أفرزته انتفاضة العراقيين، انتفاضة 1 – 25 أكتوبر من العام الماضي، أنها فرقت بين معسكرين، هما ما يمكن تسميتهما معسكر الشعب ومعسكر الحكومة. ومعسكر الشعب يضم كل المتضررين من العملية السياسية وهم كثرة، فيما يضم المعسكر الآخر كل المنتفعين من تلك العملية وهم قلة، ويتفق جميع من في معسكر الشعب على أن أخطر من في معسكر الحكومة هو السيد مقتدى الصدر، فهو، منذ البداية، له رجل في معسكر الحكومة والرجل الأخرى في معسكر الشعب.

يعتبر القيادي السابق في حزب الدعوة ضياء الشكرجي مقتدى الصدر الضد النوعي لثورة 1 – 25 أكتوبر، ويقول إن مقتدى “يتحالف مجددا مع الأعداء الألدّاء لثورة تشرين الأول، الموالين لولاية الفقيه المعادية لتطلعات الشعب العراقي، ليدعو من جمهوريتهم الإسلامية ولية أمرهم، وبالتحديد من قم، إلى مليونية ضد الوجود الأجنبي، لاسيما الأميركي، ليس انتصاراً للسيادة الوطنية المقبول انتهاكها من القوى المجتمعة في قم، بل لجعل العراق خالصا للاحتلال الإيراني، فينفرد نفوذ دولة الاحتلال المضطهِدة لشعبها المنتفِض ضدها، والمُعيقة لبناء دولتنا العراقية المستقلة الحديثة الديمقراطية الاتحادية العلمانية، لأن انتهاك سيادة العراق من دولة الولي الفقيه يُعَدُّ عندهم واجباً شرعياً، بينما الوجود الأميركي، حتى لو بطلب من الحكومة العراقية أو من جماهير واسعة من الشعب العراقي من أكبر المحرمات”. واصفاً تحالف مقتدى مع القوى المضادة لثورة الشعب بأنه بشائر حسم إعلان الطلاق رسمياً مع قوى الشعب لزيجة لم يسدها الانسجام، كانت مفروضة من جانب واحد، ومقبولة عن مضض، اضطرارا، من الجانب الآخر.

وحسنا فعلت الجماهير المحتجة في الناصرية، عندما رحبت بإعلان هذا الطلاق المبارك والمأمول من الكثيرين منذ وقت طويل، إذ هتفت “لا مقتدَى وْلا هادي، حرة تبقَى بْلادي”.

إن ما يشغل الشارع العراقي، هذه الأيام هي الدعوة التي أطلقها مقتدى الصدر من طهران، إلى تظاهرة يوم الجمعة المقبل، شعاراتها الأساس تركز على المطالبة بخروج القوات الأميركية من العراق، يتخوف الكثيرون من أنها صُمّمت لتخريب تظاهرة الشعب المستمرة، منذ أكثر من 100 يوم، والشعار الذي تطرحه تظاهرة مقتدى لا يختلف عليه أحد، وقد أكدته انتفاضة العراقيين، كما أكدت على أن يكون العراق بمنأى عن الخلافات الأميركية – الإيرانية، وأن لا تتحول البلاد إلى ميدان للصراع بينهما، وقد كانت أصوات المنتفضين، وما زالت، عالية وهي تردد في جميع ساحات الانتفاضة في بغداد والمدن العراقية الأخرى “لا أميركا ولا إيران”.

لكن ما يحدث الآن في العراق، منذ أن أطلق مقتدى الصدر دعوته الملتبسة، بسبب وجوده في إيران أولا، وفي توقيتها ثانية، أن الإعداد لهذه التظاهرة، يقوم به ويدعم الدعوة إليها ماديا وإعلاميا، رموز ميليشيات السلطة في العراق. وقد بدأت هذه الميليشيات بدعوة كل من يستجيب إلى ما تدعو إليه، للمشاركة في هذه التظاهرة، حتى أن التابعين لمقتدى الصدر أصبحوا في الظل ويتفاجأون كل يوم بما تعدّه الميليشيات وبإسناد من النظام، من خطط تهدف إلى مواجهة انتفاضة التحرير والعمل على إضعافها، بإجراءات إجرامية، مع أننا نعرف جميعا أن الميليشيات حاولت ذلك منذ انطلاقة الانتفاضة وفشلت في ذلك، برغم ما اقترفته من جرائم القتل والاختطاف والاعتقال والتفجير والتعذيب.

إن الكثيرين، ومنهم المرجع الشيعي السيد حسن الموسوي، يصفون مقتدى الصدر بأنه “عاش وأثرى على سمعة عائلته وأبيه، صبيّ غر استعراضي بمواكبه الشخصية وطائراته الفريدة في نوعها”. كما أن المراقبين في جهات العالم الأربع يصفونه بأنه يعجز عن بناء جملة مفيدة في أمر الدين أو شؤون الحياة وهو لا يفقه في أمور السياسة شيئاً إلا ما يُمليه الإيرانيون عليه. وتدور حوله وتياره شبهات لا حصر لها من جرائم الإبادات الجماعية من العمليات الإرهابية.

إذا كان في تلك الأوصاف أي تحامل فهو يُحسب على الواصفين، ونحن لسنا منهم، ولكننا نؤكد انطلاقا من قراءتنا للمشهد العراقي، أن انتفاضة العراقيين في الأول من أكتوبر العام الماضي والمستمرة إلى اليوم، أفقدت السيد مقتدى الصدر الكثير من وزنه وجعلته مكشوفاً، وإطلاق دعوته من طهران أكدت أنه ليس أكثر من أداة يحركها الولي الفقيه في الاتجاهات التي تخدم مصلحة إيران، وأن التظاهرة المليونية الاستعراضية ليست، في حقيقتها، أكثر من محاولة لشق وحده الحراك الوطني العراقي.

انتبهت الهيئة العليا العراقية لعشائر بغداد والفرات الأوسط والجنوب، وهي تجمع عشائري داعم لانتفاضة العراقيين، إلى غرض دعوة الصدر، فأصدرت بياناً رفضت فيه هذه الدعوة، محملة مقتدى الصدر “المسؤولية القانونية والعشائرية عن أيِّ احتكاك بين الشعب وذيول إيران”، حسب وصف البيان، الذي قال “في الوقت، الذي يمر فيه البلد بظروف صعبة جداً وحرجة للغاية وخوفا من أنْ ينحدر العراق إلى منزلق الحرب الأهلية (لا سمح الله)، نرفض الدعوة منك إلى تظاهرة مليونية لأنها تظاهرة ميليشياوية ضد الأميركان نيابةً عن النظام الإيراني، وحرصاً منا على دفع الشر والاحتكاك في ساحات التظاهر، عليكم، قبل الخروج، تحديد أماكن بعيدة جداً عن ساحات الانتفاضة، وبخلاف هذا، تتحملون المسؤولية القانونية والعشائرية كافة”.

كما أن اللجنة المنظمة لتظاهرات ثورة تشرين/ أكتوبر، أصدرت بياناً نوهت فيه إلى أن دعوة الصدر أعقبها دخول مجموعات منتسبة للتيار الصدري إلى خيام المعتصمين والناشطين في ساحة التحرير، هددت بالقتل والخطف وحرق الخيام، وإبلاغهم أن يوم 24 يناير سيكون آخر أيامهم، وعليهم مغادرة ساحة التحرير.

وطلب البيان من السيد مقتدى الصدر إعلان موقفه، بنحو واضح، من هذه الجماعات، التي وصفها بـ”المجرمة التي تهدد المتظاهرين باسمه”، وبخلاف ذلك سيكون المسؤول الأول عن كل الانتهاكات التي يتعرض لها المتظاهرون، لأن الغطاء الذي يتخذونه للتهديد وارتكاب الجرائم بحق الشعب العراقي، هي دعوة التظاهر، التي أُطلقت من إيران بحضور زعماء “الميليشيات الوقحة”.

خاتمة القول إن التظاهرة، التي دعا إليها الصدر لن تضم إلا آلافاً من عناصر الميليشيات التي ستغرق في بحر الانتفاضة الشعبية إذا كانت غير مسلحة، لكنها إذا استعملت السلاح فمن المتوقع أن تكون الشرارة، التي تشعل فتيل الحرب الأهلية، كما حذّر من ذلك بيان الهيئة العليا العراقية لعشائر بغداد والفرات الأوسط والجنوب.

8