العراق دولة الميليشيات.. الحرس القومي، الجيش الشعبي، الحشد الشعبي

للعراق تاريخ حافل مع تجربة الميليشيات والجماعات المسلحة الموازية للجيش والتي انضمت تحت لوائه في سياقات محددة، حيث يستحضر العراقيون تجربة ميليشيا الحرس القومي البعثي التي تشكلت ردا على المقاومة الشعبية الشيوعية، وعينهم على مستقبل البلاد في ظل ميليشيا الحشد الشعبي التي تحولت إلى حالة طاغية على حالة الدولة.
الأربعاء 2017/02/08
عسكرة العقيدة الدينية

عمّان – مازال العراقيون مختلفين في توصيف ما حدث يوم 8 فبراير 1963، على الرغم من مرور 54 سنة على الحركة التي نفّذها القوميون العراقيون، وفي مقدمتهم البعثيون للقضاء على حكم عبدالكريم قاسم.

وفي حين يصفها البعثيون بأنها “عروس الثورات” يصفها القوميون والناصريون بـ”الثورة على حكم شعوبي”، ويصفها الشيوعيون بـ”لمؤامرة على الحكم الوطني”، وآخرون بـ”الانقلاب”.

كان البعثيون رأس النفيضة في تلك الحركة. لكن الخلافات بين قيادتهم مكّنت المشير عبدالسلام محمد عارف، في 18 أكتوبر من السنة نفسها، من أن يزيحهم عن الحكم وينفرد بالسلطة.

وتعيد هذه الذكرى إلى الأذهان تشكيل حزب البعث ميليشيا أطلق عليها اسم “الحرس القومي”، لتحمي نظام الحكم الجديد من الشيوعيين وليتم الاعتماد عليها بدلا من ضبّاط الجيش الذين كان يشك في أن ولاءهم للزعيم قاسم.

وحسب القيادي البعثي صلاح المختار، الذي شغل مناصب إعلامية ودبلوماسية عديدة، آخرها منصب سفير العراق في الهند، قبل الاحتلال الأميركي، لم تكن قوات الحرس القومي الميليشيا الأولى في العراق، إذ جاء تشكيلها ردا على تشكيل الشيوعيين العراقيين ميليشيا “المقاومة الشعبية”.

ويقول المختار، لـ”العرب”، إن “بدايات تأسيس الحرس القومي، في الأصل، كانت خطوة عفوية. ففي العام 1959، وبعد انتهاء النظام الملكي شكّل الحزب الشيوعي العراقي، بدعم من عبدالكريم قاسم الذي انحرف بثورة 14 يوليو 1958، وأعدم خيرة أبناء العراق وضباطه من القوميين العرب، ما سمي بالمقاومة الشعبية التي مارست إرهابا دمويا غير مسبوق في العراق ذهب ضحيته المئات من العراقيين خصوصا البعثيون”.

ويضيف المختار “كانت مجاميع المقاومة الشعبية تتجول في مناطق ذات أغلبية قومية مناهضة لشعوبية قاسم وتعتقل أو تعتدي على من تشاء وتعلق اللافتات الاستفزازية التي تشتم العروبة وقائدها، آنذاك، الرئيس المصري جمال عبدالناصر، فنشأت نواة الحرس القومي كرد فعل طبيعي على هذه الاعتداءات الدموية، وظهرت مجاميع بعثية مسلحة سرا تحمي مناطقها خصوصا في الليل وتطرد المقاومة الشعبية التي كانت تأتي للاعتداء على تلك المناطق”.

ويوضح القيادي البعثي أن “حزب البعث أفرز وحدّد العناصر المؤهلة للقتال وحمل السلاح من بين أعضائه وشكّل منها مجاميع دربها سرا في البساتين والمناطق الخالية. وعندما تقرر إسقاط حكم عبدالكريم قاسم بعملية ثورية مشتركة بين العسكر والمدنيين كان للحرس القومي دور أساسي في ذلك”.

وأشار إلى “تكليف الحرس القومي باعتقال قادة عسكريين كانوا يشكلون قوة نظام قاسم الأساسية في بيوتهم لمنعهم من دعمه، بينما تولت مجاميع أخرى من الحرس القومي السيطرة على مراكز الشرطة والمناطق الحيوية في بغداد واستخدام أسلحتها لضبط الأمن”.

تجربة الحرس القومي

يعتبر المختار، الذي كان أحد عناصر الحرس القومي، ومن بين الذين كلفوا بالسيطرة على المدخل الغربي لجسر الشهداء في الكرخ، تجربة الحرس القومي “قفزة نوعية في دور المدنيين في الانتفاضات المسلحة وتغيير أنظمة الحكم قد نفذها البعثيون”.

ويعترف بأن قلة تجربة عناصر الحرس القومي وشبابية الثوار فيه والنظام الوطني الجديد الذي أسقط قاسم من جهة، ووجود عمليات تآمر خارجية وداخلية، سببت إسقاط حكم البعث بعد 9 شهور وقبل أن يبدأ بتطبيق خطته النهضوية، مشددا على أن ذلك “لم يعن فشل الحرس القومي، بل هو أفشل عمدا وبتخطيط ورغما عنه، ولهذا بقيت الضرورة التاريخية والوطنية قائمة لمواصلة العمل لإعادة بناء القوة الشعبية المقاتلة فكانت ثورة 17 تموز1968 مناسبة طبيعية لتحقيق ذلك”.

ويصف المختار الحرس القومي بأنه كان جيشا احتياطيا عراقيا وظيفته إكمال وظيفة الجيش الوطني ودعمه لحماية العراق وشعبه وهويته العربية أثناء الحرب، خارجيا وداخليا، فهو يخدم العراق والأمة العربية وليس قوة تخدم أهدافا استعمارية، نائيا عن مقارنتها أو تشبيهها بـ”الحشد الشعبي”، التي نعتها بأنها “قوة شعوبية تخدم السياسات الإيرانية الطائفية علنا وبصفة رسمية وبلا غطاء وتخضع لقاسم سليماني ويجاهر أفرداها بأنهم لو نشبت حرب بين العراق وإيران فإنهم سوف يقاتلون ضد العراق دعما لإيران”، وهو ما اعترف به أكثر من واحد من عناصر الحشد من بينهم واثق البطاط زعيم ميليشيا “جيش المختار”.

ويتهم المختار ميليشيا الحشد الشعبي بالشعوبية وبأنها قوة معادية للعراق وشعبه وتخدم إيران رسميا وفعليا وتنفذ مهمة خطرة تهدف إلى تسهيل الغزو الإيراني للعراق لأجل تغيير التكوين السكاني له بتفريسه، على عكس الحرس القومي الذي كانت وظيفته الأساسية حماية العراق وهويته وشعبه، كما يقول.

ميليشيات بعد الاحتلال

يتحدث خبراء عسكريون ومراقبون سياسيون عن فارق جوهري بين الميليشيات التي تشكلت قبل الاحتلال والأخرى التي ظهرت بعده هو عدم تبعية الجيش للميليشيات، بل إن الميليشيات كانت تتبع الجيش الذي يدربها ويشرف عليها وتمارس أعمالها كظهير له، قبل الاحتلال.

بينما اتبعت الميليشيات، بعد الاحتلال، النهج الإيراني بتسلطها على الجيش واستحواذها على المكاسب العسكرية التي يحققها، مثلما حدث عندما حرر الجيش مدنا من داعش لكن من قطف الثمرات هو الحشد الشعبي، في تأكيد واضح أن مستقبل هذه الميليشيات هو الحلول محل الجيش كما حصل في إيران، ما اعتبره مراقبون عسكريون تمهيدا واضحا لإكمال غزو إيران للعراق.

ويتطرق صلاح المختار إلى الانقلاب البعثي الثاني في 17 تموز 1968، ويقول إن حزب البعث أعاد تشكيل الحرس القومي باسم آخر هو الجيش الشعبي، حين استقرت الأمور بين يديه، بعد ذلك الانقلاب. ثم شكل جيش القدس، الذي درب أكثر من ستة ملايين عراقي على حرب العصابات وكان “المصدر الرئيس هو والجيش الوطني العراقي للآلاف من المقاتلين الذين انخرطوا في صفوف المقاومة العراقية، التي أثبتت أن إنشاء الحرس القومي خطوة تاريخية أعدت الملايين من العراقيين للتحول الفوري إلى مقاتلين ضد أي غزو فلولا التدريب العسكري وتوزيع الأسلحة على العراقيين لما قامت أول مقاومة مسلحة في التاريخ فور دخول بغداد وبالآلاف من المقاتلين”، معتبرا ذلك ظاهرة فريدة في تاريخ الحركات التحررية التي كانت تبدأ بأفراد ثم تتسع تدريجيا وربما يتخذ ذلك سنوات.

شعارات مختلفة

تختلف ظروف تشكيل الميليشيات الطائفية المرتبطة بإيران كليا عن ظروف إنشاء ميليشيات الحرس القومي والجيش الشعبي وجيش القدس، كما تختلف أهدافها كليا، فبعد نشوب الحرب العراقية الإيرانية شاركت ميليشيا الجيش الشعبي في إسناد الجيش العراقي، ونتيجة للمعارك الكبيرة وقع الكثير من الأسرى العراقيين لدى إيران.

وكانت كوادر حزب الدعوة والعراقيون المبعدون من ذوي التبعية الإيرانية موجودين في إيران فنظموا عددا من هؤلاء الأسرى بصفة معارضة مسلحة باسم منظمة بدر والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وكان ارتباطها لا يزال بالحرس الثوري الإيراني المرتبط بالمرشد الأعلى آية الله الخميني، ثم في ما بعد خامنئي، وبعد احتلال العراق سنة 2003 برزت الميليشيات التي كانت في إيران والميليشيات الكردية (البشمركة) وتم دمج جزء منها في الجيش العراقي الجديد بعد قرار بريمر الحاكم المدني الأميركي للعراق بحل الجيش العراقي السابق، فشكل الجيش الجديد على أساس التقسيم الطائفي والمذهبي، بعد استبعاد الكثير من العسكريين المحترفين من الجيش السابق لأسباب طائفية وسياسية بقانون اجتثاث البعث.

الخلافات الطائفية تحسم بالرصاص

ومع بداية سنة 2014 تعرض هذا الجيش الجديد إلى كارثة كبيرة بعد هزيمته في مدينة الموصل في 10 يونيو 2014 التي كانت فيها أكثر من ثلاث فرق عسكرية وشرطة اتحادية بالإضافة إلى أكثر من خمسين ألف من الشرطة المحلية لم تستطع الصمود أمام المئات من مقاتلي تنظيم داعش.

وعلى إثر ذلك أصدر المرجع الشيعي علي السيستاني بتاريخ 13 يونيو 2014 فتوى الجهاد الكفائي للوقوف بوجه داعش فانضمت الميليشيات الشيعية كافة ضمن تشكيل جديد أطلق عليه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي مسمى “الحشد الشعبي” وجعل ارتباطه بمستشارية الأمن الوطني وتم دعمه لوجستيا تسليحا وتجهيزا من إيران بموجب اتفاقية أمنية وأشرف عليه مستشارون إيرانيون، في مقدمتهم الجنرال قاسم سليماني وتم تخصيص أكثر من 80 مليون دولار من ميزانية 2015 لهذه الميليشيات، التي بدأت بالظهور بنحو مؤثر على الساحة العراقية وأصبحت القوة رقم واحد في الساحة، لا تأتمر بأوامر وزارة الدفاع وأصبح الجيش العراقي في المرتبة الثانية.

ويضم الحشد الشعبي الميليشيات الشيعية كافة من منظمة بدر وحزب الله العراقي وعصائب أهل الحق وسرايا السلام (جيش المهدي) وكتائب الخراساني وكتائب أبوالفضل العباس، وكلها ارتكبت انتهاكات ضد المدنيين في محافظات ديالى وصلاح الدين والأنبار والموصل، حتى وصفها رئيس الاستخبارات المركزية الأميركية السابق الجنرال باتريوس، في تصريح له بأنها أخطر من تنظيم داعش.

وكان هادي العامري، رئيس ميليشيات بدر المنضوية تحت قوات الحشد الشعبي، قال في تصريحات صدرت عنه في مناسبات عديدة إن “قوات بدر أصبحت أقوى من الجيش العراقي والشرطة العراقية”.

ويثبت مثل هذا التصريح ما صرح به الناطق العسكري باسم الجيش العراقي السابق الباحث الاستراتيجي اللواء الركن حازم عبدالقهار الراوي، لـ”العرب” بشأن الجيش العراقي الراهن الذي أصبح مخالفا لجميع المرتكزات والمعايير التي تبنى بموجبها جيوش العالم، فأصبح جيشا طائفيا، لا يمتلك عقيدة عسكرية ولا انتماء وولاء للوطن، مما لا يصلح معه أن يكون نموذجا للوحدة الوطنية، وهو يفتقد إلى الانضباط والكفاءة والروح المعنوية والقيادة والسيطرة والحيادية.

صلاح المختار: الحرس القومي كان جيشا احتياطيا وظيفته إكمال وظيفة الجيش الوطني

وأشار الراوي إلى أن الجيش العراقي على امتداد تاريخه كان ينتهج عقيدة وطنية وقومية ترفض احتلال أي شبر من الوطن وتحثه على الدفاع عن الأمة أينما اقتضى الواجب القومي، كما في حروب 1948 و1967 و1973 في فلسطين، ولو أسقطنا هذا المعيار على الجيش الحالي لظهر أن عقيدته طائفية بامتياز.

العقيدة العسكرية ظل للسياسة

يدعم حديث صلاح المختار عن الاستراتيجية الإيرانية في العراق، ما قاله معاون رئيس أركان الجيش العراقي قبل الاحتلال الفريق الركن صباح العجيلي لـ”العرب”، والذي أشار إلى أن العقيدة السياسية لإيران تبنّت تسويق المشروع القومي الفارسي، من خلال العقيدة الدينية، وهذا ما جعل العقيدة العسكرية الإيرانية تتبنى العقيدة الهجومية التوسعية.

وقال إن إستراتيجيتها العسكرية، التي وجهتها العقيدة الدينية، اعتمدت على بناء القوى والميليشيات الطائفية كالحرس الثوري داخل إيران وفيلق القدس، الذي يعمل في مجالها الحيوي والميليشيات الطائفية في البلدان المستهدفة كحزب الله في لبنان وفيلق بدر في العراق والحوثيين في اليمن والميليشيات الأخرى في سوريا والبحرين، وكذلك تتبنى بناء القوة النووية من خلال مفاعل بوشهر والصواريخ الباليستية بعيدة المدى لضمان تحقيق مشروعها.

وتعدّ العقيدة العسكرية بمنزلة ظل للسياسة في الميدان للتعبير عن توجهات الدولة السياسية والمتعلقة بالقواعد الأساسية للصراع المسلح، والمتضمنة طبيعة الحرب وطرق إدارتها، ولذلك فإن العقيدة العسكرية تنبثق من العقيدة السياسية للدولة.

ويأخذ العجيلي نماذج للعقائد العسكرية إقليميا، فيوضح أن الكيان الإسرائيلي يتبنى عقيدة دينية تنطوي على ما يسمى بشعب الله المختار وأرض الميعاد والتي انبثقت منها العقيدة السياسية التي ترفع شعار “حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل”.

وأشار إلى أن إيران، أيضا، تتبنى عقيدة دينية تنطوي على ما يسمى بتصدير الثورة والتي تعني تصدير الفكر الطائفي الصفوي إلى عموم العالم الإسلامي الذي تعدّه مجالها الحيوي.

7