العراق.. سجن كبير

اليوم، وبعد أن تحررت صرخات الناس من براثن صمت طويل ومرير، لجأ القائمون على إدارة سجن العراق الكبير إلى تكميم الأفواه والتعتيم الإعلامي على ما يجري
الاثنين 2018/07/16
تضييق الخناق على منافذ ضروريات الحياة اليومية

هذه هي أحدث أساليب القمع في العصر الحديث؛ أن يتم عزل الإنسان افتراضيا عن العالم الخارجي، بعد أن عزل عن أبسط حقوقه الآدمية في الواقع. هل هذه محاولة أخيرة لوأد الاحتجاجات التي بدأت منذ أيام قليلة في جنوب الحزن العراقي والتكتيم على صرخات الغضب، أم أنها رسالة واضحة إلى العالم الخارجي تخبره بأن جهاز التنفس الاصطناعي عن البلد الذي ما زال يحتضر منذ عقود، قد فصل عن جسده في تمهيد لما سيعلن في ما بعد عن موته الإكلينيكي، قريبا؟

ساسة العراق اليوم، أصبحوا خبراء في التقنية التي أتاحت لهم خنق جسد البلد الذي أنهكته الحروب والاضطرابات.

لا جديد في هذه الإجراءات، فقد لجأت السلطات التي تواترت على قهر العراقيين، على مدى عقود طويلة، إلى التعتيم على احتجاجات الناس على الظلم المستمر، بالقمع والاضطهاد تارة، بالمعتقلات، بالقتل والتنكيل بعوائلهم باستخدام أساليب مبتكرة لم يسبقهم إليها أحد من العالمين تارة أخرى، ثم لجأوا في الآونة الأخيرة إلى تضييق الخناق على منافذ ضروريات الحياة اليومية؛ الطعام، الماء الصالح للاستخدام البشري، مصادر الطاقة وغيرها من أساسات الحياة البشرية حتى أصبح الهواء ذاته مقننا وأصبحت نسماته القليلة لاذعة بسبب حرارة الجو الخانقة، وكأن الطبيعة صارت جلادا يأتمر بأوامر الطغاة للتنكيل بالشعب المظلوم.

اليوم، وبعد أن تحررت صرخات الناس من براثن صمت طويل ومرير، لجأ القائمون على إدارة سجن العراق الكبير إلى تكميم الأفواه والتعتيم الإعلامي على ما يجري، في محاولة لعزل المواطنين عن محيطهم العالمي؛ حيث تم حجب الإنترنت بصورة شبه كاملة وقطعت سبل التواصل بين العراقيين وعالمهم الخارجي، فلا وسائل تواصل اجتماعي ولا أخبار ولا رسائل صوتية ولا صور، فأصبح الملايين من عراقيي الداخل والخارج ومنهم الذين تشردوا في بلدان المهجر بسبب ظلم الماضي والحاضر، يستجدون رسالة من بضع كلمات تطمئنهم على أحبابهم من دون جدوى.

صرنا نترجّى، خبرا من هنا أو مقطع فيديو من هناك، يطفئ عطشنا بأخبار عن الأهل والأحباب والأصدقاء، لكن كل ما نقلته مصادر شحيحة، أكدت على أن مستشفيات في قضاء الزبير بمدينة البصرة تغص بالجرحى من المتظاهرين العزّل، كما تداولت أخبارا عن قتلى لكن الأرقام لا تزال غير دقيقة. الغضب وحده هو المؤكد، الغضب الذي لا نملك غيره. أما البعض فيتحدث عن حوادث دهس المتظاهرين العزّل في البصرة، فهل يعقل هذا؟

ما الفرق، طالما أن العراق بأكمله كان وما زال يدهس تحت أقدام أعتى مجرمي العصر، من تقدم منهم ومن تأخر!

19