العراق على طريق مظلم

حكومة عبدالمهدي تدرك مخاطر الانزلاق في لعبة الصراع الحالي بين طهران وواشنطن، لكنها لا تستطيع الاصطدام بالقوى الموالية لطهران.
الثلاثاء 2019/08/27
الهجمات على معسكرات الحشد الشعبي تدخل العراق في خندق مظلم

جميع من يحرصون على وقف تدهور الوضع العراقي ينادون بقطع خطوط التواصل بين العراق وإيران أو تخفيفها تدريجيا، خصوصا بعد أن دخل هذا البلد منطقة الخطر في جعل ساحته ميدانا لحرب جديدة هي الحرب الإلكترونية، ومثالها الهجمات على معسكرات الحشد الشعبي.

هذا المسلسل الذي يبدو أنه لن يتوقف يشبه إلى حد كبير الهجمات من إسرائيل على مواقع الأسلحة الإيرانية في سوريا والتي لم يرد عليها النظامان السوري والإيراني أو حزب الله اللبناني ويصرّح بعض القادة الشيعة بأن مسلسل التفجيرات سيستمر وينتقل إلى اغتيالات شخصية لبعض القادة من الأحزاب أو الفصائل المسلحة. ولا ندري مصدر القوة العسكرية التي هدد بها رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، إسرائيل منتظرا الدليل الذي تقدمه على أنها هي وراء تلك الهجمات رغم أن نائب رئيس الحشد أبومهدي المهندس أعلن في بيان رسمي المسؤولية الإسرائيلية الأميركية المشتركة. فهل يتوقع بأن إسرائيل ستعلن في بيان رسمي مسؤوليتها وهي غالبا ما اعتادت على عدم الإعلان في السنوات الأخيرة في هجماتها على المواقع الإيرانية في سوريا إلا نادرا، واكتفت بالتسريبات من هنا وهناك، وهذا ما يحصل حاليا في الهجمات على معسكرات الحشد الشعبي والتي دائما ما تعتبرها إسرائيل مواقع تجميع لأسلحة إيرانية متطورة، ومعلوم أن إسرائيل تتحرك وفق نظرية أمنها.

التحريض في الرد على إسرائيل لا يتعدى المزايدة السياسية في الولاء لإيران، فهناك حقيقة يعرفها سياسيو العراق ونظام إيران هي أن العراق لا يمتلك المقومات المادية والمعنوية لمواجهة إسرائيل، ولا يفرح أحد منهم بمديات الصواريخ التي قد تطلق من داخل العراق نحو إسرائيل.

بل إن ذلك يتعارض كليا مع سياسات حكومات العراق السابقة والحالية، فهموم هذا البلد الداخلية كثيرة، وسياسيوه لا علاقة لهم بالمبادئ القومية أو قضية محاربة إسرائيل الموجودة على يافطات شوارع وأصوات مايكروفونات طهران فقط، أو إنهم يريدونها مواجهة على طريقة حزب الله في لبنان الذي غادر فعليا هذه الاستراتيجية بتعليمات من طهران نفسها، حتى وإن سمعنا خطابات عنترية، أو صواريخ حركة حماس في غزة الهادفة إلى تحقيق “التهدئة” مع تل أبيب ولا تضيف لطبيعة الصراع مع إسرائيل أكثر من قطرة في بحر.

لكن هذا النشاط الإعلامي والسياسي ضد الولايات المتحدة بعد حوادث تفجيرات معسكرات الحشد الشعبي الأخيرة مصدره شعور نظام ولاية الفقيه بالضيق من جراء العقوبات التجارية، خاصة وأن رغبته في التفاوض مع واشنطن تصطدم بشروطها للتخلي عن برامج الصواريخ الباليستية وعن السياسات التخريبية في المنطقة.

نظام طهران يعتقد بغطرسته المعروفة بأنه سيربح جولة وضع العراق في فوهة المدفع وبقائه متحصنا في الخلف، ولا يهمه ماذا سيحصل فيه من تدهور جديد يضاف إلى حالته المزرية الحالية. قضية انحياز العراق إلى الطرف الإيراني لا يؤيدها شعب العراق بجميع طوائفه وأقلياته، ما عدا مجموعة قليلة من القوى الموالية لإيران والمتنفذة داخل السلطة السياسية، كما أن الوضع الجديد يعني فتح باب من الصراع الطائفي والسياسي في حين أن البلد في حاجة إلى نوع من الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، وإلى تنمية واسعة وإلى سلم اجتماعي بعيد عن العسكرة وشعارات القتال التي تجّرع بسببها شعب العراق المر وقدم أنهارا من الدماء، وليس التشبه بما تعانيه الشعوب الإيرانية من فقر وبطالة وتخلف.

ورغم أن حكومة عادل عبدالمهدي الحالية إلى جانب رئاستي البرلمان والجمهورية تدرك مخاطر هذا الانزلاق في لعبة الصراع الحالي بين طهران وواشنطن، لكنها لا تستطيع الاصطدام بالقوى الموالية لطهران رغم تمتعها بالقواعد الدستورية التي تفرض السياسات الحافظة للأمن الوطني العراقي وإبعاده عن مرجل النار، وهو ما يفرض انتهاج سياسة أكثر حزما قبل أن يقع العراق في الهاوية.

الحكومة العراقية محشورة اليوم تحت ضغط قوي من طهران لتصبح الساحة العراقية “ولائية” ومعبرة عن منطق “المقاومة الإسلامية” التي يدعي النظام الإيراني أنه قائدها، ولهذا جاءت فتوى كاظم الحائري المرجع الشيعي في قم الإيرانية بدعوته العراقيين إلى قتال الأميركان وطردهم، وهو المعروف بفتاواه المتطرفة، ومثل هذه الدعوة لم يقل بها مرجع الشيعة العراقيين (السيستاني) وهذا هو الإشكال الحقيقي الذي لا يستطيع العراق الرسمي التخلص منه إلا بإعلان صريح أن هناك دولة، بنظام ومؤسسات، هي المسؤولة عن الأمن الداخلي والخارجي، ولا يحق لرجال الدين ممارسة مهام الدولة. وإذا ما تمكنت تلك القوى الداعية إلى طرد الأميركان من تمرير ذلك عبر البرلمان، وهذا الهدف لن يتحقق بسهولة وسيخلق نزاعات سياسية حادة داخله وخارجه، فإن ذلك يعني إلغاء الاتفاقية الاستراتيجية العراقية الأميركية وخروج القوات الأميركية ولا أحد يعتقد بأن إدارة دونالد ترامب قلقة أو مهتمة بذلك.

المتضرر هو العراق الذي سيدخل مرحلة جديدة وظرفا مظلما لم يواجهه منذ تأسيس النظام السياسي الحالي، حيث ستتخلى فيه الولايات المتحدة عن مسؤولياتها في حماية العراق، وتنفرط تلك العلاقة الاستراتيجية التي حمت النظام القائم في بغداد، وبذلك يتحول البلد إلى جزيرة نفط وعقيدة ملحقة سياسيا وعسكريا بإيران، وبذلك تسقط كل السياسات الحكومية المعلنة في حرصها على الصداقة مع الولايات المتحدة أو غيرها عربيا ودوليا، وهذا ما تدعو إليه غالبية القوى السياسية وفصائلها المسلحة حيث تسعى إلى ما تسميه فك عقدة “الازدواجية” بين الولائين الإيراني والأميركي، وسيصعب إخراج البلد مما سيقع فيه من أزمات قاتلة على المستوى الاستراتيجي.

إيران تعتقد أن حزامها بحرب الوكالة لا يكتمل من دون العراق، وأميركا ترامب لا تريد إدخال العراق في هذه اللعبة لأنه ليس سوريا، التي لم تحتلها الولايات المتحدة لثماني سنوات، وهناك تفاهمات حولها مع موسكو في سعي لإخراج إيران منها. رغبة ترامب هي إبقاء العراق خارج النفوذ الإيراني، وإذا تعذر على واشنطن ذلك فإن الخاسر هو العراق الذي سيظل وحيدا في درب مظلم ليست له نهاية.

9