العراق على موعد مع سداد فاتورة انسحاب واشنطن من سوريا

مؤشرات كثيرة تؤكد أن الحدود السورية-العراقية ستشهد صراعا دوليا مرتقبا، بسبب أهميتها الجيوسياسية، إضافة إلى مصالح الجهات الدولية والمحلية المتضاربة في المنطقة.
الثلاثاء 2019/10/22
المهمة لم تكتمل بعد

لن تعود القوات الأميركية التي ستنسحب من سوريا إلى بلادها، بل ستتحول إلى غرب العراق، ما يعني أن الولايات المتحدة لن تغادر الشرق الأوسط، على عكس ما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن ضرورة إعادة القوات الأميركية إلى ديارها خشية عليها من الخوض في “حروب لا نهاية لها” في الشرق الأوسط. ووفقا للخطط الحالية، فإن المعركة في سوريا ضد داعش، التي كان الأكراد السوريون المتحالفون مع واشنطن يقودونها ذات يوم، والذين تم إهمالهم من قبل ترامب، ستقوم بها القوات الأميركية، وربما من العراق المجاور.

بغداد- على عكس ما تروج له بعض الأطراف عن وجود تخبط أميركي في سوريا، تبدو إستراتيجية واشنطن في المنطقة محبوكة بدقة كما لم تكن من قبل. بدأت معالم هذه الإستراتيجية تتبلور بانسحاب قواتها من شمال شرق سوريا إلى العراق المأزوم أمنيا في إطار إعادة رسكلة الفوضى في المنطقة واستحداث مبررات إعادة الانتشار الذي تقتضيه المتغيرات الجديدة.

فالانسحاب المباشر من شمال شرق سوريا ستكون له تداعيات غير مباشرة على العراق الذي يطالب رئيس وزرائه عادل عبدالمهدي بمساعدة في مكافحة الإرهاب، في وقت تؤكد فيه أطراف شيعية قوية شريكة له في الحكم على أن لا سبيل لتواجد قوات برية أميركية داخل الأراضي العراقية.

وعبرت قوات أميركية الحدود إلى العراق من سوريا الاثنين في إطار الانسحاب من شمال شرقها الذي أمر به الرئيس دونالد ترامب والذي فتح الباب أمام هجوم القوات التركية على المقاتلين الأكراد في المنطقة.

ووصلت القوات الأميركية إلى إقليم كردستان، شمالي العراق، في طريقها إلى محافظة الأنبار (غرب)، حيث مرت حوالي 100 مركبة عسكرية أميركية ببلدة سحيلا بالقرب من الحدود العراقية السورية المقابلة لمعبر سيملكا.

وأخلت القافلة مطار صرين، القاعدة الأكبر للقوات الأميركية في شمال سوريا، وهي القاعدة الرابعة التي تنسحب منها خلال نحو أسبوعين.

واستطاعت واشنطن بهذه الخطوات تحقيق هدفين استراتيجيين لنظرتها المستقبلية في المنطقة، وهما إغراق أنقرة في مستنقع “أكراد سوريا”، ونقل مواجهتها غير المباشرة مع إيران إلى الداخل العراقي.

وبالنظر إلى خارطة النفوذ الدولي داخل الأراضي السورية، لا تحظى واشنطن بنفوذ يذكر مقارنة بالنفوذ الروسي الإيراني التركي هناك، لذا فإن نقل المعركة إلى ملعب لا ينازعها فيه أحد سيكون أقل كلفة وأكثر نجاعة.

وكان وزير الدفاع الأميركي مارك إسبير قد قال السبت إنه من المتوقع أن تنتقل كل القوات الأميركية المنسحبة من شمال سوريا، وعددها قرابة الألف، إلى غرب العراق لمواصلة الحملة على تنظيم الدولة الإسلامية و”للمساعدة في الدفاع عن العراق“.

القوات الأميركية وصلت إلى إقليم كردستان، شمالي العراق، في طريقها إلى محافظة الأنبار
القوات الأميركية وصلت إلى إقليم كردستان، شمالي العراق، في طريقها إلى محافظة الأنبار

وكثيرا ما تستثمر الولايات المتحدة في ملف داعش لتبرير شرعية وجودها سواء في العراق أو في مناطق أخرى، لكن الانسحاب المباشر ستكون له تداعيات غير مباشرة، فقد يشكل عدم اكتمال القضاء على تنظيم داعش ضغطا كبيرا على الأراضي العراقية، خصوصا في ما يرتبط بالحدود، وأيضا سيشجع الخلايا النائمة بالداخل لكي تنشط مجددا.

ولا تخفي الحكومة العراقية حاجتها إلى مساندة في مكافحة الإرهاب على أراضيها، حيث أكد عادل عبدالمهدي الاثنين هذه الحاجة، لكن التصريح يتناقض تماما مع سعي العراق إلى إجلاء كل القوات البرية الأميركية عن أراضيه.

وتضع بغداد في حساباتها أن الولايات المتحدة جزء مهم من الحرب على الإرهاب، وبالتالي على أقل تقدير فإن رئيس الوزراء يدفع باتجاه استمرار مزيد من التوافق في هذا الشأن داخليا في قضية مساعدة واشنطن في حرب العراق على الإرهاب.

ووجدت وحدات قوات الحدود والجيش العراقي المنتشرة على الحدود مع سوريا، دون سابق إنذار، نفسها على احتكاك مع الفوضى على ما يقارب 30 بالمئة من الأرض السورية المتاخمة للعراق وعلى امتداد 600 كلم بدءا من التقاء الحدود التركية-العراقية-السورية بأقصى الشمال في شخابور ولغاية التَنَف حيث المثلّث العراقي-السوري-الأردني في أقصى الجنوب، حيث تبدو مهمّة مسك الحدود صعبة للغاية.

وتمتلك الولايات المتحدة حاليا في العراق أكثر من 5000 جندي أميركي، بموجب اتفاق بين الدولتين. وسحبت الولايات المتحدة قواتها من العراق في عام 2011 عندما انتهت العمليات القتالية هناك، لكنها عادت بعد أن بدأ داعش في السيطرة على مساحات شاسعة من البلاد في عام 2014.

وظل عدد القوات الأميركية في العراق ضئيلا بسبب الحساسيات السياسية في العراق، بعد سنوات مما اعتبره بعض العراقيين احتلالا أميركيا خلال الحرب التي بدأت عام 2003. وشعر الساسة الموالون لإيران بالفرح بعد ابتعاد القوات الأميركية وأقحموا ميليشياتهم المسلّحة دعما لحكومة دمشق ومسلّحي حزب الله اللبناني والأجانب الآخرين المتوائمين مع طهران.

نقل موقع فوكس نيوز الأميركي مؤخرا صورا حديثة التقطتها الأقمار الصناعية تؤكد أن إيران تبني معبرا على الحدود العراقية-السورية من شأنه أن يفتح طريقا بريا سريا يربط بين إيران ولبنان.

واشنطن تحقق هدفين استراتيجيين، إغراق أنقرة في مستنقع {أكراد سوريا}، ونقل مواجهتها غير المباشرة مع إيران إلى الداخل العراقي

وتُظهر الصور التي التُقطت في وقت سابق من هذا الأسبوع من قبل شركة “ISI” التي تلتقط بيانات الأقمار الصناعية، والمختصة في القضايا الاستخبارية والتحليلات، عمليات بناء المعبر الجديد في منطقتي القائم والبوكمال الحدوديتين بين العراق وسوريا، حيث تخضع هذه المنطقة لسيطرة الميليشيات الموالية لإيران من الجانبين.

ويسمح المعبر الإيراني لطهران بالاحتفاظ بمنفذ بري إلى سوريا وبيروت والبحر المتوسط، فيما يشير متابعون إلى أن الإيرانيين يخططون لاستخدام هذا المسار الجديد لعمليات تهريب، ومن ضمنها الاتجار بالأسلحة والنفط، لتجنب العقوبات الأميركية. ومن شأن المنفذ حسب هؤلاء، أن يوفر لإيران وحلفائها ميزة غير مسبوقة تسمح لطهران بنقل كل ما يحلو لها، في ظل غياب أي مراقبة عراقية أو سورية.

وتؤكد مؤشرات كثيرة أن الحدود السورية-العراقية ستشهد صراعا دوليا مرتقبا؛ بسبب أهميتها الجيوسياسية، إضافة إلى مصالح الجهات الدولية والمحلية المتضاربة في المنطقة.

ويؤكد خبراء عسكريون أن الولايات المتحدة وإيران ستكونان أبرز أطراف النزاع المرتقب، إذ أن واشنطن ستحاول جاهدة قطع طريق طهران-بغداد-دمشق، بينما ستسعى إيران لمنع المخطط الأميركي لقطع طريقها الاستراتيجي، خصوصا أن المنطقة مفتاح طهران للوصول إلى البحر المتوسط.

7