العراق في الكونغرس: ولادة الدول الثلاث

الجمعة 2015/05/08

غزت الولاياتُ المتحدة الأميركية العراق، وأزالت نظامه السياسي، واعتقلت زعيمه، وسلّمته للسلطة الجديدة فأعدمته. غزت الولاياتُ المتحدة العراق، فأطاحت بمزاج حاكم، وفرضت مزاجا بديلا، عبثت بتوازنات، وأرست تحالفات، وعرّت البلد من عراقيته، وأحالته تكويما لجماعات ثلاث: السنّة والشيعة والأكراد.

لا نناقشُ، هنا، الحيثيات التي أدت إلى تلك النتائج. فلا نبرّئ نظام الحزب الواحد، ولا نُنزهُ دكتاتورا، ولا نتهمُ من اختار أن يعارضَ، حتى بأسلحة مذهبية، ولا نحاكمُ سلوكَ من مُورست ضدهم جرائم الكيماوي والمقابر الجماعية في البحث عن خلاص، ولا نُعيّب على من أراد إزالة الاستبداد أن يتحالف مع الشيطان، فهذه سنّة السياسة وشروطها، لكننا نتناولُ المشهد من آخره، ونستنتجُ أن العراق الواحد لم يعدْ واحدا، مهما استبسلَ العراقيون في الإشادة بالشخصية العراقية وعرضية انقسام نسيجها الواحد.

بات شيعةُ العراق، في سوادهم الأعظم، محسوبين، شاؤوا أم أبوا، على مزاج الحاكم في إيران. وباتت طهران سيدةَ الحلّ والربط في بغداد، إلى درجة اعتبارها عاصمة لإمبراطورية الوليّ الفقيه (على حد ما أعلن علي يونسي مستشار الرئيس حسن روحاني). وبات الأكرادُ شبه دولة مستقلة داخل الدولة المتداعية، وصار العالم يتعامل رسميا مع هذا الحال، فيصلُ كردستان بالقناصل والقنصليات، ويستقبل رئيسها بصفته رئيس دولة حقيقية يتأخرُ الإعلان عنها، وكأن الأمرَ مسألةُ وقت.

يُعرّف السنّة في العراق بأنهم “العرب السنة”. ربما هذه الصيغة تميّزهم عن الأكراد السنّة بالتعدادين الطائفي والإثني. والمفارقة أن تلك التسمية المستحدثة للسنّة، لا تنسحبُ على الشيعة في العراق فلا يطلق عليهم “الشيعة العرب”، مع العلم أن للأكراد شيعتهم (الفيليين) أيضا. ربما في هذا الإغفال من أرادَ للشيعة أن يكونوا شيعةً في الدين والمذهب والهوية والانتماء، بما يقرّبُهم من الحاضرات الإيرانية، ويبعِدُهم عن تلك الحاضرات العربية التي ارتبطوا بها عبر التاريخ.

يُجمعُ العراقيون على أن المذهبيةَ والتفرقة الإثنية لم تكونا موجودتين في الوجدان العراقي قبل سقوط بغداد عام 2003. يتحدثون عن جهلهم لمذاهب الشخصيات السياسية والفنية والثقافية، وعن الزيجات المختلطة التي مزجت مزاج الشيعة بالسنّة، كما مزج الأكراد بالعرب. في ذلك وجاهة ربما، لكن للاستبداد صنوفا في السلوك تمنعُ التباينات وتحيلها لونا واحدا تحدده إرادةُ السلطان، على النحو الذي لا يسمحُ بالاعتراف بالتعدد والاختلاف.

بيد أن ذلك لا يغطي واقع المجتمع العراقي المرتبط برموزه ومراجعه ومرجعياته في الدين والثقافة والتاريخ، والتي أنتجت صداما دمويا يعرفُ العالم منها ما أُسمي بحملة الأنفال (1988) ضد الأكراد وقمع ما أُسمي بـ“الانتفاضة الشعبانية” (1991) ضد الشيعة.

وبكلا الحالتين (وهي حالات عديدة)، لم يكن نظامُ بغداد يستهدفُ الأكراد والشيعة، وهو الذي اصطدم مع معارضيه السنّة، بل كان يستهدفُ معارضةً تقدمت إليه بصفتها شيعيةً، أو بصفتها كردية.

العراق، هو سنّةٌ وشيعة وأكراد وأقلياتٌ أخرى. هكذا كان قبل، وهكذا أصبح بعد، نشوئه بالطبعة الحديثة في عشرينات القرن الماضي. وفي حكاية التشكّل الجديد وطبيعة العلاقة مع المستعمر والموقف من عراق سايكس بيكو، كان للسنّة والشيعة والأكراد مقاربات مختلفة، تتباينُ وتتصادمُ وتتكامل، وفق ظرفيّ المكان والزمان. وما الكلام، في ما بعد، عن عراقٍ واحد في الشكل والفكر والمضمون، وحتى في التاريخ، إلا ضرب من ضروب التضليل “البروباغندي” لمصلحة الأنظمة التي تناوبت على حكم البلاد، ، خصوصا، منذ الإطاحة بالملك والملكية.

ارتأت واشنطن عام 2003 تفكيك النظام العراقي من خلال تفكيك العراق نفسه. وجدت في العراق من يسعى لذلك ويدافعُ عن هذا التشريح، فذهبت مذهب من أراد للـ“صدّامية” أن تزول دون رجعة محتملة. قدّم الحاكم الأميركي بول بريمر وصفةً كاملة لإرساء نظام محاصصةٍ طائفي علني، يأخذُ بعين الاعتبار اختلالا في تقاسم السلطة وجده السنّة مهمّشا لهم دورا ووظيفة وتاريخا. اكتفى الأكراد بتثبيت تمايزهم أرضا وحدودا ونظام عيش، يأخذون من هذا العراق ما يداري مصالحهم، وهم يتطلعون نحو الاستقلال يوما داخل دولتهم. بقي الصراع في ما تبقى من هذا العراق بين سنّته وشيعته، بين من يحتمي بالنفوذ الإيراني ومن يتضرر منه، فأنتج ذلك اضطرابا واختلالا داخل شركاء “العملية السياسية”، كما أنتج إرهابا وقاعدة وداعشا، وعبثا لا ينتهي.

انسحبت الولاياتُ المتحدة من العراق وتركته، نظريا، ليُحكم بسيادة كاملة من قبل العراقيين. تركت واشنطن العراق بعد أن برعت في صناعته مخلوقا عصبويا طائفيا عصيا على أي توازن واستقرار. لن ننهكَ النفس في اكتشاف سرّ الكارثة، أهي رجسٌ من عمل الأجنبي الخبيث، أم هي أصلٌ بنيويٌ متصلٌ بهوية العراق الجديد وحاكميه. والمهم أن الولايات المتحدة باتت مقتنعةً أن مخلوقها الطائفي وراء رواج الاحتقان عند السنّة، كما ازدهار الأورام الناتجة عن ذلك، سواء عبّرَ عنها أبو مصعب الزرقاوي يوماً، أو أبو بكر البغدادي هذه الأيام.

“لن نكون غطاء جويا لميليشيات طائفية وفئوية في العراق”، هكذا ردد أكثر من مسؤول أميركي، وعلى رأسهم الرئيس الأميركي نفسه. زار المسؤولون الأميركيون بغداد في محاولات للضغط على سلطة نوري المالكي في السابق كما سلطة حيدر العبادي هذه الأيام، من أجل تضييق هوة التباين السنّي الشيعي في الطريق نحو القضاء على داعش. كان واضحا أن أجندة بغداد تخضعُ لتلك في طهران، وأن مقاربات قاسم سليماني، من خلال الحشد الشعبي، أقرب إلى قلب بغداد من توصيات المبعوثين الأميركيين. لم يستطع سليماني إسقاط تكريت إلا بعد أن تخلى عن دوره وعادت قوات التحالف لرفد عمليات “التحرير”. بيد أن الاستنسابية المذهبية في مقاربة الأنبار، وتحفّظ بغداد عن تسليح عشائرها، كما اشتراط الكفيل لاستقبال نازحيها، يعكسُ عقما يعطّل الحرب ضد داعش في تلك المحافظة.

في المشروع الأميركي المقدم للكونغرس لتسليح السنّة والأكراد، دون المرور ببغداد إقرارٌ أميركي رسميٌّ بالطبيعة ثلاثية الأبعاد للكيان العراقي الراهن. سيعترضُ العراقيون، كل العراقيين، شكليا على هذا السلوك الأميركي المقلق. لكن ما يجول في أروقة الكونغرس الأميركي يجول في ذهن السنّة والشيعة والأكراد (خرجت أصوات شيعية مؤخرا تعترض على سنّية الوفد العراقي الذي زار الأردن).

إسقاط المحرّم في واشنطن يعيدُ الروح لخطة جو بايدن، نائب الرئيس الأميركي، الذي اقترح عام 2006 (كان حينها عضوا في مجلس الشيوخ عن ولاية ديلاوير) تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق ذات استقلال شبه ذاتي للشيعة والسنة والأكراد. ربما في المسعى الأميركي الراهن ما يُعدُّ إنذارا للمآل المنطقي الذي سيذهب إليه العراق، بحيث يصبحُ التقسيم واقعا سياسيا دوليا يُفرض على العراقيين.

في العفن الذي اعترى العراق منذ غزو عاصمته قبل 12 عاما، ما يفيد أن العراقيين قد يفقدون “النعمة” التي فرضها عليهم سايكس بيكو قبل ذلك.

صحفي وكاتب سياسي لبناني

9