العراق كما لو أنه لم يكن

الخميس 2015/03/26

أن ترفع صور خامنئي في بغداد، حسب اعتراف إياد علاوي، وهو واحد من أهم المشاركين في العملية السياسية بالعراق الجديد، فإن ذلك يعني أن الحرب المنسية التي استمرت ثماني سنوات في ثمانينات القرن الماضي، قد انتهت اليوم بانتصار إيراني ساحق. انتصار تسجله الصور.

وهو ما يجعلنا نفهم الدرس الرمزي الذي انطوت عليه عملية هدم قبر الرئيس العراقي الراحل صدام حسين من قبل ميليشيا الحشد الشعبي وهي تتقدم باتجاه تكريت، الموقع الذي صار تاريخيا بالنسبة إلى إيران.

“لقد جئنا يا صدام” ألا تذكر تلك الجملة بغورو، الجنرال الفرنسي يوم احتل دمشق فقال عند قبر صلاح الدين جملته المأثورة “لقد عدنا يا صلاح الدين”.

الاثنان ميتان ولا فخر في الانتصار عليهما. ولكن المعنى يتجاوزهما. لم يكن لدى صلاح الدين، وهو الذي أقام مملكته الأيوبية في مصر ما يتأسى عليه، ولن يكون لدى صدام حسين ما يخسره وقد أرغم الخميني على القبول بوقف إطلاق النار كما لو أنه يتجرع السمّ، حسب مقولة الخميني شخصيا.

الموضوع كله يتعلق بمستقبل شعب، صار ينظر إلى صور غزاته من غير أن يكون مكترثا بمصيره الماثل أمامه. فهل نقف اليوم أمام شعب قرر أن يكون منزوع الهوية؟ ولكن ما الثمن الذي يمكن أن تقدمه إيران مقابل ذلك؟

إيران لمن لا يعرفها بلد لا يملك شيئا في مجال السباق الحضاري العالمي.

لن يكون في إمكان برنامجها النووي المحاصر أن يُطعم فقراءها، لن يثري ذلك البرنامج مكتباتها بالكتب، ولن يحسّن من الوضع الصحي لمواطنيها، ولن يعيد إليهم الحرية التي صادرها فقهاء نظام الملالي الجهلة.

إيران بلد كئيب، فهل يرغب العراقيون في أن يضيفوا إلى أحزانهم المعتقة نكهة جديدة، تكون إيران هذه المرة مَن يصدرها إليهم، كما البصل الذي صاروا عاجزين عن زراعته؟

ما الذي يمكن أن يكون ساحرا في صور خامنئي، بالنسبة إلى شعب كان قد رأى ذات يوم صورة زعيمه الأوحد عبدالكريم قاسم مرسومة على سطح القمر؟

كان قاسم يومها ابن فقراء ذلك الشعب، وكان لسانهم المجنون. فما أبعد المسافة بين قاسم وخامنئي الذي لن يدعي أحد أنه كان قد رأى صورته مرسومة على القمر.

مَن يضحك أخيرا؟ أعتقد أن مزاج غورو لم يكن في أحسن أحواله وهو ينادي ميتا “لقد عدنا يا صلاح الدين”، كذلك فإن خامنئي لن يثق بشعب كان أيام الهزيمة الإيرانية يهتف “بالروح والدم نفديك يا صدام”. صور خامنئي لن تكون كصور صدام. هذا ما لم يفهمه العراقيون.

كان صدام في صوره كائنا حيا، أما خامنئي فإن صوره لن تحيلهم إلا إلى الموت. تلك الصور هي الرسالة الإيرانية إلى شعب قرر أن يضع رأسه في التراب. فهل علينا أن نصدق ذلك؟

أعتقد أننا نخون حقيقة الشعب العراقي لو ذهب بنا الظن إلى إنكار وطنيته. ولكن شعبا يرى صور خامنئي وهي ترفع في شوارع مدنه من غير أن يعترض، هو في حاجة إلى أن يعيد النظر في قاموس وطنيته. فهل يمكن أن يكون خامنئي رمزا وطنيا؟

سيعثر العراقيون على وطنيتهم في مكان آخر، وسيندمون لأنهم نظروا بإعجاب إلى صور الفاتح الشيخ، ولكنهم سيندمون أكثر حين يكتشفوا أنهم، عن طريق غبائهم، سمحوا للإيرانيين بأن يتسللوا إلى وطنيتهم ليسمّموها.

العراق من غير صور خامنئي هو العراق الذي يعرفه كل العراقيين، أما عراق خامنئي فهو عراق لا يعرفه سوى الإيرانيين ومن والاهم. وهو العراق الذي ستكون بغداده عاصمة كسرى الجديدة.

كاتب عراقي

9