العراق- لبنان: هل ما زالت الفتنة عصية

الجمعة 2014/06/27

فيما كان من المفترض أن تُدشّن حرب سنية شيعية في العراق، يتضحُ أن تطوّر الأمور ما زال يحول دون ذلك حتى الآن، وأن ما هو عبثيّ وضبابيّ في المناطق المنتفضة، يسيرُ وفق قواعد لعبة لا تتخطى حدوداً ولا تتجاوز محرمات.

تنشغلُ داعش في نشر “إنجازاتها” الدموية ضد الخصوم، فيما يومياتِ العراق بدأت تُفصحُ عما بات معروفاً من وقوف فصائل وعشائر وجماعات وقطاعات عسكرية سابقة وراء الانهيار الذي أصاب جيش بغداد. وفي خطاب تلك “المجاميع” دعوةٌ سياسية لإصلاح النظام السياسي برمته، ابتداء من رحيل نوري المالكي، مروراً بإنهاء سلوكيات التهميش للسنّة، انتهاء بتحقيق مشاركة حقيقية لكل فئات المجتمع العراقي. في ظهور السياسة يغيبُ الخطاب الإقصائي التكفيري، وبالتالي تتقدمُ لغة التسويات، حتى لو كانت وسائلها الراهنة تستعين بالعنف والعسكرة وإسقاط مؤسسات بغداد في مناطق واسعة من البلاد.

ولاشك أن رصانة الموقف الدولي وحياديته وربما ضغوطه على بغداد كما على طهران، فرضت سلوكاً معتدلاً في خطاب قيادات الحراك السنّي، لجهة مقْت المذهبية ورفض الفتنة والتأكيد على سواسية العراقيين. ساهم ذلك في التخفيف من فتوى آية الله السيستاني ودفع صاحبها لإصدار تفسيرات مكبّلة ضابطة تسحب منها أي فهم مغلوط، كما المطالبة برئيس وزراء يحظى “بإجماع وطني”.

تكتشفُ بغداد أن مليونيات المتطوعين الشيعة الموعودة هراء شعبوي لا يستندُ على مزاج شيعي (يعبّر عنه عمار الحكيم ومقتدى الصدر مثلاً)، فيما يكتشف العراقيون أن السنّة في البلد ليسوا بصدد تسعير أتون فتنة ضد الشيعة. وعليه يعود الصراع العراقي- العراقي، على جسامته، صراعاً سياسيا بامتياز، يتناول مستقبل المالكي واحتمالات بدائله وهامش المناورة عند الكرد ومواقف الدول الإقليمية والدولية. بمعنى آخر هي “حسبة سياسية” تستخدمُ أدوات السياسة، ولا تذهب باتجاه صدام بين الشيعة والسنة بمعناه السوقيّ الوضيع.

على أن ذلك الصدام ربما هو المطلوب من قبل الحاكم في بغداد كما الحاكم في دمشق. في ظل الصراع الكبير قد يستظلُ نظاما الحكم بالانفجار الكبير الموعود، في ما هو هروب إلى الأمام من استحقاقات التداول على السلطة التي باتت مطلب العراقيين كما مطلب السوريين (وربما حتى من قبل القريبين من الحاكميْن). في ذلك كيلَتْ اتهامات لا تنتهي حول دور بغداد ودمشق في إطلاق الحراك الطائفي السنيّ والشيعيّ، لعلّ في تسعير الفتنة مكاناً للزومية النظامين ورفضاً لبدائلهما.

تولّت “داعش” سوريا مذهبة الصراع هناك، وصبّت ناراً على أعراض انحرافاته الأولى، وتحويله من صراع معارضة وطنية جامعة ضد نظام الحكم إلى صراع بين سنّة “محكومين” وعلويين “حاكمين”. على أن دينامية “داعش” في ضرب تلك المعارضة الوطنية، وأحيانا برعاية مدفعية النظام، ألقى مجهراً على ذلك التقاطع الحاصل بين التكفيريين و”علمانيي” النظام الدمشقي. فيما سلطت اتهامات أحد وزراء حكومة بغداد (وزير العدل حسن الشمري) ضد المالكي بالوقوف وراء عملية هروب المئات من القيادات الجهادية من سجن أبو غريب، مجهراً على شبهة التواطؤ بين بغداد والتكفيريين. قيل حينها أن أمر ذلك، كما أمر “الحرب المستمرة بين يزيد والحسين”، على ما صرّح المالكي نفسه، يشدُّ عصباً شيعيا مطلوباً حول حُكم وحَاكم على طريق الولاية الثالثة.

يجدُ ميدان الفتنة ابتداء من العراق مروراً بسوريا امتداداته الطبيعية في لبنان. ولاشك أن أعجوبة منعت حتى الآن الصدام الفتنوي الكبير بين السنّة والشيعة في هذا البلد، ذلك أن احتقاناً مكبوتاً يسكن السنّة في لبنان منذ إطاحة حزب الله بسعد الحريري عن رئاسة الحكومة اللبنانية، مسبوقاً بأحداث “السابع من أيار”، معطوفا على موقف حزب الله من الشأن السوري، بما هو تدخل عسكري شيعي ضد المعارضة السنّية في سوريا. وعلى الرغم من أن الأدوات الأمنية والسياسية المحلية عطَلت مفاعيل الصدام ابتداء من الإطاحة بالشيخ أحمد الأسير في صيدا، مرورا بالخطة الأمنية في مناطق عدة في لبنان، لاسيما في الشمال، انتهاء بنجاح الأجهزة الأمنية في تفكيك خلايا انتحارية، إلا أن سلوكاً واضحاً لا يكلّ يستمر في السعي لتوفير أسباب الفتنة الكبرى.

يذكر اللبنانيون عملية القبض على الوزير السابق ميشال سماحة المكلّف من قبل دمشق، حسب التحقيقات، بنقل متفجرات هدفها استهداف شخصيات دينية إسلامية بهدف إثارة الفتنة، فيما عملت التفجيرات التي استهدفت منطقة الضاحية الشيعية على توفير أسباب للصدام المذهبي المتوخى.

على أن الكشف مؤخراً عن محاولة جديّة متقدمة كانت قيد التنفيذ لاغتيال رئيس مجلس النواب نبيه بري، يلقي مجهراً على جهنمية ما كان معدّاً لجهة استهداف ما يُعتبر اعتدالاً داخل الطائفة الشيعية، وما يعتبر شخصية بقيت متمسكة بالدولة ومؤسساتها ولو بالصيغة التي لا تتناقض أو تصطدم مع مزاج حزب الله. لكن استهداف الرجل من قبل جماعات تكفيرية يلقي شكوكا جديدة على أجندة هذه الجماعات، ويطرح أسئلة حول هوية من يقف وراءها.

فنبيه بري الذي كان يوصف بأنه رجل سوريا الأول في لبنان، فيما حزب الله يدين بالولاء لطهران، لم يشارك في الجهد العسكري الذي يبذله الحزب رفدا لنظام دمشق. يُنقل عنه، على ما يُروى، أنه أُبلغ يوماً بأن عناصر من حركة أمل التي يرأسها تطوّعت مع الحزب للقتال في سوريا فعلق قائلا: “الله لا يردّهم”.

وبغض النظر عن دقّة ما نُقل، إلا أنه يعكسُ موقفاً متبايناً مع حميمية علاقاته مع النظام السوري منذ الأسد الأب، وبالتالي يعبّر عن حالة شيعية معترضة كامنة على سلوك الحزب لجهة توريطه للشيعة في صراع يعمل الرجل على تجنب تداعياته في لبنان، كما أن مواقفه التي أفرج عنها ويكيليكس إزاء الرئيس الأسد وحزب الله، تعبّر عن خصوصية لا ريب أثارت ريبة مكبوتة في دمشق كما لدى أوساط الحزب.

أطلق نبيه بري يوما صيغة “س- س” للحلّ في لبنان، بما يعني مشاركة سوريا والسعودية في إنتاج التسوية اللبنانية. قيل يومها أن ذلك أغضب دمشق التي أخذت على بري ذهابه خارج الاحتكار السوري للوصاية، وذهابه نحو الشراكة مع الرياض. داخل تلك الظروف يحاول الرجل لعب دوره اللبناني في حمل همّ البلد نحو الخارج (الكويت مؤخراً لطلب الدعم، وفي مصر لتهنئة الرئيس عبدالفتاح السيسي)، ويسعى بما تيسّر لتأكيد دعم الدولة ومؤسساتها، بما يذكّر بدور السيد موسى الصدر في جرّ الشيعة نحو فكرة لبنان ودولته، فيما المزاج الشيعي العام حالياً يُبحرُ إلى ما وراء الحدود.

فكيف يُفسّرُ سعي الجماعات الجهادية لاغتيال الشخصية الشيعية الكبرى التي لا تشارك في قتال داخل سوريا، فيما لا يبدو أن نفس هذه الجماعات تستهدف شخصيات قيادية في حزب الله؟ الاستنتاج يقودنا إلى أن اغتيال الرجل يرفع من منسوب التطرف لدى الشيعة من خلال تغييب تيار الاعتدال ويرفع احتمالات الفتنة الكبرى، طالما أن من كان سيقترف الجريمة ينتمي إلى الطائفة السنية، كما يتيح لحزب الله إنهاء الثنائية التي تقود الشيعة في لبنان، لصالح احتكار أحادي كامل.

على أية حال وبغض النظر عن سيناريوهات المؤامرة التي يتمُّ تداولها وتجد مكانا طيّعا في السياق الحالي، فإن المفاعيل الداخلية ما زالت قادرة على صدّ الفتنة ووأدها. والسبب لا يعود فقط إلى يقظة تقنية عالية من قبل الأجهزة الأمنية، بل لتقاطع مصالح كافة التيارات السياسية على منع الفتنة. فبالإمكان ملاحظة الخطاب التقليدي المكرر من الفعاليات الكلاسيكية في البلد، لكن ينبغي أيضا ملاحظة رد فعل حزب الله الحذر، لاسيما بعد الانفجار الأخير الذي استهدف أبواب الضاحية، على بعد مئات الأمتار من منطقة طريق الجديدة المكتظة بالسكان السنّة، ذلك أن تلك الجريمة كانت تستهدف، على ما يبدو، إثارة ردّ فعل شيعي يستهدفُ المنطقة السنّية القريبة.

من المبكّر المغامرة في تأكيد تجاوز المنطقة برمتها للفتنة الشيعية السنية الكبرى. لكن الأعراض المسجّلة في العراق ولبنان قد تؤكد ذلك، ربما لقناعة كافة الأطراف المحلية والإقليمية باستحالة حسم الصراع مذهبياً، ناهيك عن لا أخلاقيته. لكن الحقيقة تقتضي الاعتراف أن للاحتقان المذهبي لدى السنّة، كما لدى الشيعة، عناوين واضحة، وسياسات واضحة، وشخصيات وتنظيمات واضحة، وخطاب ثقافي واضح، وأن إزالة السبب والمسبّب أمرٌ لازم وحتمي لمن يريد فعلا نزع فتيل الفتنة نهائياً.

لكن لهذا الأمر نقاش آخر، ذلك أن الفتنة أو التلويح بها، وحتى إشعار آخر، أداةٌ من أدوات الحكم والسلطة عند السنّة كما عند الشيعة، وقد تكون أداة من أدوات تشكّل الكيانات التي قد تطيح بوحدة العراق وسوريا.

صحافي وكاتب سياسي

8