العراق ليس بيت عنكبوت ولا فندق مسافرين

الاثنين 2014/09/29
الخيون: الطائفية الدينية تتصاعد مع تصاعد حضور الإسلام السياسي

لندن- كاتب علماني في جوهره، يحاول في جل كتاباته تأصيل العلمانية بواسطة الاستدلال بآراء علماء الإسلام، أو بمواقف حدثت في التاريخ الإسلامي، أي أنه من دعاة التأصيل العلماني في المجتمعات الإسلامية، هو رشيد الخيون، الباحث العراقي، ولد في الجبايش (ذي قار) جنوب العراق.

تميز بضخه التراث بروح الحداثة والعصر، وسبره أشد الأغوار الفكرية تشابكا من خلال رؤيته المعاصرة. صدر له العديد من الكتب منها: "مذهب المعتزلة من الكلام إلى الفلسفة"، "تلخيص البيان في ذكر أهل الأديان"، "معتزلة البصرة وبغداد"ن "جدل التنزيل"، "تأريخ البهائية والبابية"، "المباح واللامباح"، "المشروطة والمستبدة"، "المجتمع العراقي -تراث التسامح والتكاره"، "الأديان والمذاهب بالعراق"، "لاهوت السياسة"، "إخوان الصفا"، وغيرها.

صدر لرشيد الخيون عن دار مدارك كتاب بعنوان “ضد الطائفية – العراق.. جدل ما بعد نيسان 2003”، في طبعة ثالثة منقحة، الكتاب، حسب قول الخيون، كتب ما بين 2003 - 2008، وقد نشرت المقالات التي حواها في صحيفتي الشرق الأوسط، والاتحاد الإماراتية، لكنها وردت في الكتاب أكثر تمحيصا وتوسعا، حيث مسح الكتاب 5 أبواب حوت 64 فصلا، بحث من خلالها الكاتب مأزق الطائفية، ذلك التشرذم الأعمى الذي يفتت العراق اليوم.


مفهوم الطائفية


فصول الكتاب توزعت على 5 أبواب، نذكر منها “بغداد بين غزوتين” و”تغييب الهوية العراقية”، “الأحزان لا تعمّر الأوطان”، و”لا تحصروا شيعة العراق بإيران”. يدرس من خلالها رشيد الخيون قضية الطائفية وتبعاتها في العراق.

بداية يطرح الكتاب تأطيرا مفهوميا لمصطلح الطّائفية، حيث يعتبر أنها ليست حكرا على الأديان والمذاهب فحسب، وإنما هي تشمل بشكل أوسع كل أشكال التعصب التي تمارسها وتستبطنها جماعة ضدّ جماعة أخرى، على أساس الطبقة الاجتماعية، سواء المهنة أو اللون أو العشيرة، أو الجنس، مثلما هو التّعصب ضد مجتمع النّساء.

لكن ما طرق أسماع العالم، وفق رأي خيون، وما يخشى من مخاطره المتصاعدة يوما بعد آخر، ونتائجه الوخيمة والبشعة، هو الطّائفية الدّينية والمذهبية، التي نجدها تتصاعد مع تصاعد حضور الإسلام السّياسي، الذي لم يتمكن من احتواء المذهبيين في حزب أو كيان واحد، وهو في المعارضة أو في السّلطة.

الطائفية هي التعصب الذي تمارسه وتستبطنه جماعة ضد جماعة أخرى، على أساس الطبقة الاجتماعية

لكن في هذا العصر، توسعت رقعة الطّائفية في العراق، فتجاوزت حيز الديني لتتغلغل حتى في الخصومات الشديدة، فالكلّ يشير إلى الكل بتهمة الطّائفي، من القوى الدّينية، وشخصيات من اللادينيين، من الذين لا شأن لهم بدين أو بإيمان، لكنهم يظهرون أكثر طائفية من المتدينين أنفسهم. لذلك كان ضروريا للحدّ من الطائفية لغويا، البحث عن جذورها التاريخية والمفهومية أولا، وهذا ما ذهب إليه الكاتب.

فرغم أن هناك مَنْ ينفي الوجود التاريخي لقضية الطائفية والطوائف، حتى بالاسم، أو يعتبر ما ورد من تسميات هو استخدام في اللغة لا في المصطلح، مثلما ذهب إلى ذلك الباحث هادي العلوي، فإن خيون يقول في كتابه ردا على هذا التمشي بعمق ظاهرة الطوائف، سواء لغويا، حيث وردت مفردة الطّائفية في القرآن الكريم حوالي 16 مرة، ليس فيها تمييز بين مدح أو ذم، إنما هي إشارة إلى جماعة النّاس، لم يحدد عددهم، لكنها في الغالب جزء أو قسم من جماعة أكبر، أي قطعة من الشيء، مثلما تقدّم، وكذلك في الحديث النّبوي، كما وردت مفردة الطّائفة للإشارة إلى الجماعة التي تتميز بموقف إيجابي أو سلبي. وقد وردت كذلك 7 مرات في كتاب «نهج البلاغة» بالمعنى نفسه.

ثم يتطرق الباحث إلى ما اصطلح عليه بالطائفية من خلال ما شهده التاريخ العربي من ممارسات تبرز التعصب ونفي طائفة لأخرى، وأورد على ذلك مثلا ما طال الموالي -وهم المسلمون من غير العرب- من ممارسات طائفية من قبل الأمويين، مستشهدا بقول للإمام أبو حنيفة: “كان ولاة بني أمية لا يدعون الموالي من الفقهاء للفتيا”.

فالحجّاج بن يوسف الثقفي اتخذ قرارا منع بموجبه إمامة الصّلاة من قبل الفقهاء الموالي. إضافة إلى ما طال النبطيين من تحقير لشأنهم، والأمثلة كثيرة على الممارسات الطائفية التي يزخر بها التاريخ العربي، رغم أن الممارسات المبنية على الطائفية مضادة للآية: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».


ديمقراطيات الطوائف


يؤكد الخيون إذن أن الطائفية ليست دينية فحسب بل تقوم على أساس العرق أو الدين أو الجنس، ولها جذور عميقة في التاريخ العربي. كما يستشهد بالمثال اللبناني اليوم، حيث يقرّ أنه أريد لهذا البلد أن ينتظم على أساس طائفي، فرئيس الجمهورية ماروني، ورئيس الوزراء سنّي، ورئيس البرلمان شيعي.

الكتاب يطرح تأطيرا مفهوميا لمصطلح الطّائفية

بمعنى أنها ديمقراطية الطّوائف، وهذا العزل الطّائفي أبعد دولة المواطنة عن لبنان، مع أنه من أقدم بلدان المنطقة بنظامه الانتخابي والبرلماني. وهذا ما حتّم على كل لبناني أن ينتخب طائفته. لذلك يعتبر الكاتب أن إدارة الدّولة الطّائفية بلبنان تجذرت من قبل 90 عاما، حين رسم شكلها وأسس تقليدها الانتداب الفرنسي 1920.

أما في العراق، فكانت الطّائفية، ومازالت، الوسيلة الناجعة بيد طالبي الزعامة، وفرض المصلحة الشخصية، فإثارة حق الطّوائف ومظلوميتها بتهييج الهاجس القومي أو الدّيني، ببلد مثل العراق، لا يكلف كثيرا، خصوصا وأن ممارسات السّلطات القائمة تسهل تلك المهمة.

ينتقل الكاتب إلى رصد الممارسات الطائفية في العراق، بعد أن أثبت أنها ليست وليدة تاريخ ما بعد 2003 بقدر ما هي متجذرة في هذا المجتمع، حيث استعملت لفظة الطّائفة والطّوائف رسميا في العراق، كإشارة إلى بقية الأديان من غير المسلمين: اليهود، والمسيحيين، والصّابئة المندائيين، واليزيديين (الإيزيديون)، لكنها تفاقمت بشكل مرعب بعد غزو العراق، لتفتت وحدته، فمع الطّائفية لا وجود للجزء الذي لا يتجزأ. أيام عصيبة مرّت على العراق، كاد فيها أن يُزال اسما وبشرا من على الخارطة، فقد وصل الحال إلى الانتقام من الأموات بقطع الرؤوس.

لذلك حملت فصول الكتاب القلق من هذا الدّاء، خاصة خلال السّنوات التي تلت 2003 حيث كانت سمته المحاصصة الطّائفية، التي عيّنت على رأس إدارة العراق موظفين غير أكفاء، مختارين على أساس انتمائهم الطّائفي أولا ثم الحزبي. وهكذا تضيق الحلقة لتصل إلى ما يسميه خيون “عصبة الحزب المدمرة”.

فالحالة وإن ظهرت بتمثيل الطّائفة، لكن الجوهر هو الانتماء الفئوي داخل الطّائفة، فـ”التّخندق الشّيعي، على أساس الطّائفة لم يحمِ الشّيعة من التشرذم إلى أحزاب وكيانات متناحرة، وصل الأمر بها إلى حدّ المواجهات، وكذلك لم تتمكن جبهة التوافق السّنّية من توحيد أهل السّنّة، إنما ظهرت كيانات وأحزاب متصادمة المصالح”.

لذلك يعتبر خيون أن هذه القضية يجب أن تؤخذ بالحذر والاهتمام، معتبرا أن الحلّ يكمن في تعميق وحدة العراق، وتكريس الهوية في إطار دستور ونظام حكم لا مركزي، وذلك بشكل فعلي لا على الورق فحسب، ويدعو ن إلى إرساء الديمقراطية التي تكرس المساواة بين الجميع على أساس المواطنة.

15