العراق.. ما بعد تحرير المدن

الثلاثاء 2016/07/12

مع استمرار نظام الحكم في بغداد بصيغته الطائفية بزعامة حزب الدعوة ينبغي على العرب السنة في المدن التي يشكلون فيها أغلبية سكانية بعد أن يتحرروا بشكل كامل من تنظيم داعش أن يفكروا بشكل جدي في المطالبة بإقليم يمنحهم قدرا من الاستقلال الإداري عن بغداد، وإلا فإنهم سيصبحون كيانا ممسوخا في الدولة العراقية ولقمة سائغة في أفواه تماسيح السلطة من الأحزاب الإسلاموية الشيعية الكبيرة، وكذلك من الشخصيات والقوى السياسية السنية الانتهازية المشاركة في الحكم.

بمعنى أنهم سيكونون عراة، لا يملكون ما يستر عوراتهم بعد أن أصبحت مدنهم ركاما، ولم تعد لديهم فرصة للمطالبة بحقوقهم خاصة وأن السلطة كانت من اللؤم بما يكفي لكي لا تمنحهم الفرصة كاملة في عملية تحرير مدنهم، بينما حرصت على أن يكون شباب الشيعة من المنتمين إلى الحشد الشعبي بديلا عنهم بهذا الواجب المقدس ولترتوي الأرض بدمائهم. فمن يستطيع أن يعلي صوته بعد هذا أمام دم الشهداء؟

عملت حكومة التحالف الوطني خلال الأعوام الثلاثة عشر الماضية من أجل أن تكون الموصل والأنبار وصلاح الدين كيانات إدارية ضعيفة ليست لها من الصلاحيات ما يجعلها قادرة على أن تملك زمام المبادرة في العمل والنهوض بإمكاناتها، خاصة وأن لديها خزانا هائلا من الموارد البشرية والطبيعية ما يجعلها قادرة على أن تقوم بهذا الدور.

من المعلوم أن هذه المدن منذ تأسيس الدولة العراقية كانت ترفد الدولة بقيادات إدارية، هذا إضافة إلى أنها تملك مخزونا احتياطيا هائلا من الموارد الطبيعية ما يجعلها قادرة على أن ترسم لنفسها مستقبلا اقتصاديا مزدهرا، إلاّ أن السلطة في بغداد مارست شتى أساليب الاحتيال والمماطلة حتى تقطع الطريق أمام تطلعات أبنائها، لأنها أرادت لهذه المدن أن تبقى فقيرة وفي حالة عوز دائم.

سياسة التحالف الوطني هذه كانت بمثابة الضرب تحت الحزام عندما سعى إلى تشجيع العناصر الانتهازية من أبناء هذه المدن، سواء أكانوا زعماء عشائر أم قيادات سياسية، حتى يصبحوا واجهة العرب السنة في العملية السياسية بكل أنانيتهم وضيق أفقهم ولهاثهم وراء المنافع الشخصية. ويمكن القول إن جميع هؤلاء لم يكن لهم أي نشاط سياسي يذكر قبل العام 2003، وكان ظهورهم فجئيا على المشهد السياسي بعد سقوط نظام البعث، وما كان من التحالف الوطني، وهو يسعى جاهدا إلى أن يكونوا المعول الذي يهدم به السقف على رؤوس العرب السنة من بعد أن يستثمر شهوتهم للمناصب الحكومية، إلاّ أن يكون لهم عونا في تحقيق مطامحهم الشخصية، وهذا ما فتح الطريق أمامهم للوصول إلى المناصب الوزارية وإلى مقاعد البرلمان عبر انتخابات افتقرت إلى المصداقية.

المهم في سياسة التحالف الوطني الشيعي إزاء هذه المدن أنه كان حريصا على أن يجردها من عناصر قوتها، ابتداء من استبعاد أبنائها المخلصين من أصحاب الكفاءات، انتهاء بتجريدها من أي قطعة سلاح، مقابل الحرص على أن يكون السلاح متوفرا في مدن الوسط والجنوب، فنوري المالكي كان يهدي العشائر قطع السلاح أثناء لقاءاته بهم لكسب ولائهم، هذا إضافة إلى أن كل السبل أمست متاحة ليصل السلاح إلى الميليشيات قادما من إيران ومن مخازن الحكومة، بل إن الكثير من قطع السلاح لدى الميليشيات حديثة ومتطورة ولا يمتلكها الجيش العراقي.

وفي ما يتعلق بالميليشيات وهي أذرع عسكرية للأحزاب الشيعية (الدعوة والمجلس الأعلى والفضيلة) فإنها باتت سلاحا فتاكا لهدم كيان الدولة ومؤسساتها حسب ما أُريد لها، ولتكون بالتالي بديلا عنها، حتى وصل عددها إلى أكثر من 60 ميليشيا، وتوسعت مهماتها إلى حد أنها لعبت دورا كبيرا في الحد من تقدم فصائل المعارضة السورية التي تقاتل النظام منذ خمسة أعوام، ولولاها، إلى جانب حزب الله وسلاح الجو الروسي، لما استمرت الحرب السورية كل هذه الفترة ولسقط النظام منذ العام 2012 كما أن هنالك إشارات على أن فصائل من هذه الميليشيات تشارك هذه الأيام مع الحوثيين في قتالهم ضد السلطة الشرعية، وتقدم لهم الخبرة والاستشارة، ولا تغرنك الشعارات التي ترفعها والتي تدعو إلى تحرير بيت المقدس والموت لأميركا واليهود، فما ذلك إلاّ خداعا للتغطية على الهدف الجوهري في الاحتفاظ بالحكم بقوة السلاح والتمدد جغرافيا داخل وخارج حدود الوطن، تحقيقا لشعار الخميني في تصدير الثورة، وهذا ما كشفت عنه عمليات التغيير الديموغرافي في المناطق التي نجحت فيها السلطة العراقية بطرد تنظيم داعش، كما في محافظة صلاح الدين وديالى.

ينبغي الإقرار بأن حكومة التحالف الوطني بزعامة حزب الدعوة قد نجحت إلى حد كبير في تجريد المدن ذات الغالبية العربية السنية من السلاح، مستخدمة ذريعة محاربة تنظيم داعش وقوى الإرهاب المنتشرة فيها، ففي الأعوام التي سبقت سقوطها تحت سلطة داعش كانت الأجهزة الأمنية تداهم البيوت في أي وقت تشاء، وما إن يتم العثور على قطعة سلاح شخصي في أي بيت حتى يُصار إلى مصادرتها واعتقال رب الأسرة، هذا إن لم يتم اعتقال كافة الرجال المتواجدين في البيت، ولذلك عندما دخل تنظيم داعش إلى الموصل في مطلع شهر يونيو 2014 وسيطر عليها بعد هزيمة الجيش المذلة، لم يكن سكان المدينة يملكون أي قطعة سلاح للدفاع عن مدينتهم.

سيكون العرب السنة في قمة السذاجة، بعد أن يتم تحرير مدنهم من تنظيم داعش، إذا صدقوا أنهم سيستعيدون مدنهم وحريتهم خاصة عرب الموصل، فما ينتظرهم أشد قسوة مما جرى في صلاح الدين والأنبار، فحزب الدعوة سيعاود اللعب بسلاح الطائفية والميليشيات، وستجتاحها موجة من الاغتيالات أشد من تلك التي كانت قبل سقوطها والتي كانت تستهدف النخب الأكاديمية والعلمية.

ما ينتظر الموصل بعد تحريرها من سلطة داعش لا يبعث على الاطمئنان، لأن عملية سقوطها لم تكن سوى خطة مدبرة ساهم المالكي في وضع لمساتها الأخيرة عندما أمر قوات الجيش بالانسحاب وعدم القتال إمعانا في إذلالها وتهيئة المناخ الملائم للعودة إليها لاستكمال عملية تدميرها بحجة تحريرها.

الثمن الباهظ الذي دفعته المدن العربية السنية بعد العام 2003 لا علاقة له بالفكرة التي تم الترويج لها من قبل أحزاب السلطة على أن سكانها حواضن للتنظيمات الإرهابية، بقدر ما يعني، حسب رؤية الأحزاب العراقية التي كانت تعارض النظام السابق، تصفية حساب قديم يعود إلى عام 1991 عندما لم تنتفض ضد نظام البعث مثل بقية مدن الوسط والجنوب، وبذلك منحت الفرصة للنظام السابق لكي ينجو من خطر السقوط. ولو عدنا إلى ما قبل العام 2003 وقرأنا أدبيات هذه الأحزاب بعد مؤتمر صلاح الدين عام 1992، ومؤتمر لندن عام 2002، لوجدنا العزف على هذه الفكرة يكاد يكون دائم التكرار.

هي ليست حربا على الإرهاب إنما تصفية حسابات ثأرية، وليست جهدا عسكريا وطنيا لإعادة الأمن إلى هذه المدن بعد أن تحررت من سلطة التنظيمات الإرهابية، وما جرى في الأنبار وصلاح الدين من تدمير وحرق وقتل جماعي يؤكد صحة هذه الظنون والهواجس.

كاتب عراقي

8