العراق ما بعد قمة باريس

الجمعة 2015/06/12

لم يجد رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، ما كان يصبو إليه في مؤتمر باريس الذي انعقد في الثاني من يونيو الجاري بمشاركة أكثر من أربعة وعشرين وزيرا ومنظمة دولية، ولم يحصل على الدعم العسكري المفتوح الذي راهنت عليه قوى عديدة تشارك في الأحداث الأمنية والعسكرية لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، وعلى رأس هذه القوى ميليشيات “الحشد الشعبي” الساعية بقوة من أجل بسط هيمنتها والتفوق التسليحي على كافة أنواع القوى العسكرية الأخرى التي تقاتل معها أو ضدها على الأرض.

نعم، عاد حيدر العبادي إلى بغداد وهو محدد بمطالب وشروط دولية تفرض عليه الالتزام بها، قبل أن يقدّم المجتمع الدولي جنوده وأمواله للدفاع عن إدارة عراقية لم تستطع، ورغم تواتر الملاحظات الإقليمية والدولية لها، أن تحقق التوازنات السياسية والاجتماعية بين مختلف مكونات الشعب العراقي.

لقد طلب من العبادي، وبوضوح، أن “تلتزم السلطات العراقية بتعزيز سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان للجميع، وانتهاج سياسة شاملة للجميع، والتحقق من التمثيل العادل لجميع فئات المجتمع العراقي في المؤسسات الاتحادية، وأن يحظى جميع المواطنين بالمعاملة المتساوية من دون تمييز”.

وقد أُمهل حيدر العبادي مدة ثلاثة أشهر لتنفيذ هذه الشروط، ليتمكن المجتمع الدولي، من بعدها، من التعامل مع حكومة عراقية يمكن أن تخطط وتنفذ بمساعدته آليات التعامل مع ملفات العراق، ليس فقط مع موضوع تمدد تنظيم الدولة الإسلامية، بل مع كل المعطيات السياسية والأمنية والاقتصادية القائمة هناك نتيجة تدخلات إقليمية عديدة، أشيرَ فيها إلى إيران بوضوح كبير خلال هذا المؤتمر.

بتقدير الكثير من المراقبين، فإن الدول الكبرى في مؤتمر باريس، إضافة إلى رئيس وزراء العراق، يعلمون جميعا، أن الأخير لا يستطيع تنفيذ شروط مؤتمر باريس بسبب النفوذ الإيراني المتحكم في العملية السياسية والأمنية العراقية.

وبما أن الأيام تمضي، وأن هناك معارك كبرى تجري في العراق بين تنظيم الدولة الإسلامية والقوى الأخرى الرافضة لسياسات الحكومة العراقية من جهة، وبين ميليشيات الحشد الشعبي وقطعات من الجيش العراقي من جهة أخرى، ولحاجة إيران إلى تمكين قواتها أو القوات الموالية لها من أكبر مساحة ممكنة من المثلث السني في العراق قبل أن يقرر المجتمع الدولي التدخل فعليا في العراق، فقد تم الضغط على حيدر العبادي لممارسة ذات الدور الذي اعتمده في مؤتمر باريس خلال لقائه الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال قمة الدول السبع الكبرى التي عقدت مؤخرا في ألمانيا؛ وهو ذلك الدور المتمثل في طلب الدعم العسكري من الجو، وزيادة جرعات التسليح وكمياتها.

حصل اللقاء بين أوباما والعبادي وطلب رئيس وزراء العراق ما جاء من أجل أن يطلبه، فكان رد أوباما بضرورة وجود برنامج سياسي لحكومته يجمع الشيعة والسنة والأكراد، وطالبه، بقوة، بضرورة استقطاب العشائر السنية بطريقة أكثر سرعة بما يساهم في دحر تنظيم “داعش”، وشدد على العبادي أن يصل مع مجلس النواب العراقي إلى قانون وطني لحل المشاكل الأمنية في الأنبار مثلا، وتسليم الأمن لسكان تلك المناطق، لقد قال أوباما بشكل صريح “إن البرنامج السياسي بأهمية مشابهة للأهمية العسكرية”.

وعندما حاول العبادي تقديم موضوع التسليح على أي موضوع آخر لمحاربة تنظيم الدولة، قال له الرئيس أوباما “ليست لدينا إستراتيجية لمواجهة تنظيم الدولة، وشروطنا هي شروط مؤتمر باريس”، والأهم تأكيد الرئيس الأميركي على ضرورة “تسريع إعداد القوات العراقية بشكل جيد”، القوات العراقية وليس “الحشد الشعبي”!

إن التحالف الوطني (الشيعي) يمارس كل أنواع الضغط على رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي من أجل رفض الشروط التي أمليت عليه في باريس وبرلين، والاعتماد، بشكل علني ورسمي، على روسيا وإيران في هذه الحرب، بعد إبرام معاهدات دفاع مشترك أو تعاون أمني وإستراتيجي معهما، مؤكدا قدرة الأحزاب والقوى الشيعية في البرلمان العراقي (الأغلبية) على تمرير مثل هذه المعاهدات بالسرعة اللازمة نتيجة الظروف التي يمر بها العراق حاليا.

في مقابل هذا التحرك المدعوم من إيران بوضوح، فإن واشنطن تضع قرار تسليح السنّة العرب على الطاولة بشكل مباشر، وتلاحظ، بدقة، تحركات المصالح الإيرانية على الأرض العراقية سواء ما تعلق منها بميليشيات “الحشد الشعبي”، أم حركة القادة والمستشارين الإيرانيين العسكريين هناك.

وقد يكون من شبه المؤكد الآن أن المباشرة بتسليح العشائر العربية في محافظة الأنبار باتت قاب قوسين أو أدنى زمنيا من التحقق، خصوصا وأن تنظيم الدولة الإسلامية بات الأقرب لتحقيق أهدافه العسكرية، بعد أن انضمت إلى قواته أعداد من أبناء هذه العشائر بسبب سياسة الحكومة العراقية تجاه أهاليهم النازحين هربا من جحيم المعارك، ومنعها لهم من دخول العاصمة العراقية بغداد.

أكاديمي وإعلامي عراقي

9