العراق مرهون بين سلطتين

الجمعة 2016/11/18

التحدي الأكبر الذي يواجه القوى السياسية في العراق ينحصر في قضية بناء دولة تقف على مسافة واحدة من الجميع، وهذا يعني العمل على بناء أرضية واقعية توفر الفرصة لتحقيق عيش مشترك، ونتيجة لانحسار مشاعر الثقة بين مكونات المجتمع العراقي فإن الأصوات التي باتت تنادي بخيار التقسيم أخذت تلقى آذانا صاغية لدى أوساط واسعة ومن مختلف المكونات ولم يعد الأمر مقصورا على المسيحيين والأيزيدية الذين تعرضوا لعمليات تهجير جماعية، بل تعدى ذلك ليشمل العرب السنة الذين كانوا طيلة الأعوام التي أعقبت الاحتلال الأميركي يعارضون أي صوت يدعو إلى فكرة إقامة فيدراليات.

إلاّ أنهم وبعد أن تعرضوا إلى عملية تقويض لوجودهم الاجتماعي والسياسي رغم الثقل السكاني الكبير الذي يشكلونه وجدنا بينهم من يدعو إلى الفدرلة أو التقسيم وحتى الانفصال؛ فالتشكيك في إخلاصهم لبلدهم من قبل السلطة واتهامها لهم بتقديم ولائهم للمملكة العربية السعودية على حساب ولائهم لبلدهم، واختزال شعورهم في القهر والاضطهاد، تعود أسبابه إلى أنهم قد فقدوا سلطة الحكم وليس لأنهم أصبحوا تحت ظلم السلطة وقهرها.

كل هذه العوامل وأخرى غيرها كانت كافية لكي تدفع أصواتا من بين العرب السنة إلى إعلان تأييدها لمشاريع تقسيم العراق إلى أقاليم تدير شؤونها بعيدا عن هيمنة النظام القائم في بغداد، أيضا يأتي تأييدهم لمثل هذه الدعوات في إطار مواجهتهم لكل ما شرعنه النظام السياسي القائم من قرارات تفوح منها رائحة الطائفية كان الهدف منها إزاحتهم باعتبارهم مكونا اجتماعيا من المشهد السياسي، إضافة إلى تدمير فرص التعايش ما بينهم وبين بقية مكونات المجتمع،. لعل أبرز تلك القرارات على سبيل المثال ما يتعلق منها بدمج الميليشيات (الشيعية) في الأجهزة الأمنية والعسكرية، في مقابل تصفية ما يسمى بعناصر الصحوة (ميليشيا عشائرية سنية أسسها ودعمها الأميركان) التي أخذت على عاتقها محاربة تنظيم القاعدة في صحراء الأنبار ما بين عامي 2006 و2008 وتمكنت من هزمه.

أضف إلى هذا ما يتعلق بسلسلة إجراءات تم بموجبها استبعاد الضباط العرب السنة والجنود من العودة إلى صفوف الجيش العراقي، إلى غير ذلك من القرارات التي طالت أساتذة وأكاديميين منعتهم من تولي مناصب إدارية في الجامعات التي يدرّسون فيها.

لا شك في أن كلفة الحرب على تنظيم داعش باهظة، ونظرا لأهمية ما ستتمخض عنه من نتائج ستضع العراق أمام تحديات صعبة سيكون فيها أمام مفترق طرق فإما أن يكون بلدا موحدا قويا وإما ينتهي به المطاف إلى حالة من التشرذم ومن ثم الزوال.

من هنا سيكون من الصعب القول إن هذه الحرب لا جدوى منها حتى لو تحقق النصر إذا لم يترافق معه موقف واضح تبديه السلطة العراقية باتجاه نزع فتيل الاحتقان الطائفي والقومي بين مكونات المجتمع، بعد أن وصل الاحتقان إلى مرحلة بات فيها التعايش غير ممكن على الأقل ما بين السنة والشيعة.

وإذا سلمنا جدلا بتوفر النية الصادقة لنزع فتيل هذا الاحتقان فإن ذلك يفرض على الحكومة أن تتخذ سلسلة خطوات في هذه المرحلة المصيرية التي تخوض فيها البلاد حربا ضروسا ضد تنظيم داعش، أولاها أن تكون حازمة في معاقبة كل من يثبت تورطه في ارتكاب انتهاكات تتعرض لحقوق الإنسان وكرامته، خاصة وأن هناك حوادث كثيرة بهذا الخصوص قد وقعت سواء في الأنبار أو في صلاح الدين أثناء عمليات المواجهة مع تنظيم داعش. وكانت قد أشارت إلى هذه الحوادث تقارير المنظمات الدولية المختصة بحقوق الإنسان. ولعل أحدث مشهد من هذه الانتهاكات ما تم تداوله هذه الأيام على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وفيه يظهر جنود عراقيون يقتلون صبيا صغيرا ومن ثم يسحقونه تحت عجلات دبابة عسكرية.

بصرف النظر عما جرى من انتهاكات فإن السلطة العراقية قادرة على أن تحد منها بشكل كبير فيما لو اتخذت إجراءات قانونية رادعة بحق من يتورط في ارتكابها وهي بذلك ستبعث برسالة واضحة للجميع مفادها أن الحرب موجهة ضد تنظيم داعش وليست ضد طائفة بعينها.

العراقيون بحاجة إلى سلطة تحترم القانون بقدر احترامها لكرامة الإنسان، ولو كان النظام السياسي في بغداد قد كرس ثقافة احترام القانون بين أجهزته الأمنية والعسكرية لما تمكنت التنظيمات الطائفية المسلحة من أن تستثمر هذه الثغرة للنفاذ منها والتوغل بين صفوف المتضررين جراء سياسات التمييز الطائفي وتجذب منهم الكثير إلى صفوفها.

وبقدر ما يتحمل الفكر الذي تتبناه التنظيمات الطائفية المسلحة مسؤولية ما يشهده العراق من عنف وتدمير يتحمل النظام السياسي هو الآخر جزءا كبيرا من هذه المسؤولية لأن ممارسات أجهزته الأمنية والعسكرية الطائفية خاصة في المدن التي تقطنها غالبية عربية سنية قدمت لهذه التنظيمات فرصة لم تكن تحلم بها فاستثمرتها أفضل استثمار وتمكنت من أن تبني لها حواضن بين سكانها.

حتى هذه اللحظة لم يصدر عن السلطة في العراق ما يشير إلى أنها عازمة على مراجعة سياساتها الخاطئة التي أوجدت هذا الشرخ الطائفي رغم ثقل التحديات التي باتت تواجهها الدولة بسببها، وفي مقدمتها تلك التركة الثقيلة من الجروح الاجتماعية المتمثلة في قائمة طويلة من القتلى والعاطلين عن العمل والمعوقين والأرامل والأيتام والأطفال المحرومين من التعليم.

مشكلة النظام السياسي القائم في العراق تكمن في أنه قد رهن مستقبل البلاد بخارطة طريق عنوانها المحاصصة الطائفية، كانت قد تواطأت على تكريسها كافة القوى والأحزاب المشاركة في العملية السياسية، ومن هنا باتت أبواب الجحيم مفتوحة في وجه العراق، حتى أن مصطلح “المجتمع الرهينة ” أصبح ينطبق عليه كما ورد في كتاب د.فارس كمال نظمي “الأسلمة السياسية في العراق”، وسيكون من المنطقي أن تخضع الرهينة لإرادة خاطفها، ولن يبقى لديها سوى الحلم بالحرية الإنسانية، إلاّ أن هذا الحلم سيتضاءل يوما بعد آخر طالما تمادى الخاطف في أساليب القهر وطالما الرهينة مالت إلى الرضوخ والاستسلا

كاتب عراقي

12