العراق مستعمرة أميركية من جديد

السبت 2014/06/21

حتى في أثناء وجود القوات الأميركية في العراق، كان هذا الأخير يتجه أكثر فأكثر ليصبح خاضعاً للهيمنة الإيرانية. وهي هيمنة تكرست مع انسحاب الجيش الأميركي في العام 2011، لتصبح هيمنة شبه مطلقة تشمل المستويين السياسي والاقتصادي. لكن، إذا كان الأمر على هذا النحو بالفعل، لماذا تطلب حكومة نوري المالكي النجدة من أميركا، لا من حليفتها إيران؟

بعد الاحتلال الأميركي للعراق، خضعت الدولة العراقية بكامل ملفاتها وتفاصيلها الداخلية لمسؤولية الإدارة الأميركية. فجرى الحدّ من صلاحيات مجلس الوزراء والرئاسة من خلال رقابة المستشارين الأجانب في كل الوزارات والمؤسسات ذات الأهمية. هذا فضلاً عن الرقابة على الجيش بجنوده وعتاده ومهامه. امتلكت قوات الاحتلال سلطة مطلقة، ولم يملك أياً من رئيس الوزراء أو الرئيس إجراء أي تغيير على الخطط المتبعة التي ترغب أميركا في تنفيذها. وحتى الصراع بين أجنحة الحكم، أو بين الأحزاب الطائفية التي استلمت الحكم من الاحتلال كان يدار بواسطة الإدارة الأميركية.

لكن إيران بدأت تعزز من نفوذها في العراق، خصوصاً بالتزامن مع بداية انسحاب القوات الأميركية منه. إذ أرسلت إيران وفوداً كثيرة إلى بغداد، وجرى تسوية بعض الخلافات الحدودية، والتوقيع على مجموعة اتفاقيات اقتصادية رفعت مستوى التبادل التجاري بين البلدين من ستة مليارات دولار، إلى نحو 22 مليار دولار.

وبذلك قفز العراق إلى المرتبة الثالثة في قائمة الشركاء الاقتصاديين لإيران على مستوى العالم. كما دخلت المصارف الإيرانية السوق العراقية على نطاق واسع، وعملت على السيطرة على القطاع المصرفي في ظل العقوبات الدولية والأميركية المفروضة عليها. حدث ذلك بمباركة حكومية، في ظل حديث عن تسهيل كافة المعاملات المصرفية الإيرانية مقابل عرقلة نظيراتها العربية والتركية.

بعد اندلاع الثورة السورية وانضمام العراق إلى معسكر حلفاء نظام بشار الأسد ضد رغبة الغرب، بدا المشهد كما لو أن أميركا قد أسدت خدمات مجانية للنظام الإيراني عندما أسقطت نظام صدام حسين. إذ كان من المنتظر والمتوقع أن تفقد أميركا الهيمنة على العراق تدريجياً لصالح نظام طائفي يجيد التلاعب بمكونات الشعب العراقي، ويحوز على ولاء الأحزاب الطائفية التي نصّبها الاحتلال في السلطة.

وليس العراق، وهو الدولة المحورية في المنطقة، بصيد سهل، لكن إيران نجحت بمساعدة أميركية واضحة في أن تطبق أنيابها على العراق، وواصلت محاولة ابتلاعه على مدار السنوات الماضية، حيث تلاعبت بالقوى السياسية الحليفة لها، وعززت من درجة إخضاعها وتبعيتها، وراحت تقاتل بشراسة من أجل تأبيد حكم رئيس الوزراء العراقي الطائفي نوري المالكي.

أما أميركا، التي التزمت الصمت إزاء التمدد الإيراني كما لو أنه من الأمور المتفق عليها، فبدت خاسرة من جميع النواحي. ربما يُفسر الصمت الأميركي بما قدمته إيران من مساعدات جليّة للاحتلال في تركيب وإنجاح العملية السياسية بعد سقوط نظام صدام وتفكيك الجيش العراقي.

وخصوصاً من خلال الضغط على بعض حلفائها الذين يمتلكون نزعة معادية للاحتلال كالتيار الصدري، إذ أجبرته إيران على التزام الهدوء وعدم القيام بأي أعمال عدائية تجاه الاحتلال، لكن مكاسب إيران عظيمة ولا تقارن بما تحقق لأميركا.

غير أن المشهد تغيّر اليوم مع نجاح المناطق المتمردة على حكم نوري المالكي في السيطرة على مناطق واسعة من البلاد في غضون أيام. إذ طلبت الحكومة العراقية دعماً عسكرياً من أميركا تحديداً لا من إيران. كما تبدي الولايات المتحدة اهتماماً كبيراً بالتطورات العراقية وتعتبر نفسها المسؤول الأول عن إيجاد حل للأزمة، وتشاطرها الحكومة العراقية هذا الاعتقاد، ولسان حالها يقول لأميركا: «أنا صنيعتك المخلصة، لذا يتوجب عليك إيقاف تقدم الإرهابيين».

بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، ليست المسألة بكل تلك البساطة والسطحية التي يطرحها الإعلام العربي والأجنبي على السواء، والتي تتصل بـ«إيقاف تقدم المتشددين في العراق». فالأرجح أن أميركا تعلم، تماماً، أن تحركاً شعبياً واسع النطاق مسنود بقوة العشائر وبالظلم الفادح الذي وقع على فئة عراقية محددة هو ما يحتاج إلى «معالجة» وليس إلى إخماد أو سحق كما يرتجي العقل الطائفي الدموي لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وحلفائه.

لكن التفكير العميق والجاد الذي تبديه الإدارة الأميركية تجاه العراق، وطلب الحكومة العراقية الدعم والمساندة من أميركا، يجعلان العراق يبدو من جديد كمستعمرة أميركية.

فالمشهد يشير إلى أن أميركا دون سواها من المجتمع الدولي هي المعنية بإيجاد حل للمأزق العراقي سواء أكان عسكريا أم سياسيا أم مزيجاً بينهما. ما يكشف عن أن جذور الدولة العراقية والأحزاب الطائفية التي تتقاسم السلطة لا تزال وثيقة الصلة بأميركا.

فالاحتلال لم يرحل عن بغداد، ولا زال ممسكاً بملفاتٍ كثيرة على رأسها ملفات الأمن والسلاح والنفط، وذلك رغم أنف التمدد الإيراني الواقع فعلاً، أو ربما وعلى الأرجح، بالتوافق معه!.


كاتب فلسطيني- سوري

8