العراق: "نريد حاكم هندي"

الثلاثاء 2015/09/01

فاجأت التظاهرات التي تشهدها بغداد ومدن جنوب العراق ملالي الولي الفقيه وعرابي الطبقة السياسية الحاكمة في العراق، وهم الذين ظنّوا أنهم أحكموا هيمنتهم وإلى الأبد على “شيعة العراق” عبر “الحاكم الجعفري”، وسرديات مظلومية أتباع أهل البيت، وأحقيتهم في الحكم وحراسة الولاية وانتظار المهدي.

منذ عقود لم تنفك أحزاب الملالي التابعة للفقيه الإيراني، عن ابتداع أشكال من خطابات الهيمنة الطائفية والغيبية، وتطعيمها بالنبرة الخمينية الزائفة التي تُمَحوِر مفهوم الثورة حول شكل الحكم ولونه المذهبي، في تعويم فاضح للمفهوم واختزاله بنموذج الجمهورية الإيرانية، انطلاقا من أدبيات الحكم الخميني الذي حاول منذ 1991، تصديرها إلى العراق، بتعميم شعار “نريد حاكم جعفري” وسط ما عُرف بـ“الانتفاضة الشعبانية”، والتي أكسبها القمع الذي تعرضت له من أجهزة صدام حسين نوعا من رمزية الخلاص في الوجدان العام لفقراء الشيعة.

مظلومية الشيعة وأحقيتهم في الحكم، كانت محور خطاب الخمينية الموجه إلى شيعة العراق، حتى أصبح “الحكم الشيعي” الذي ظفرت به أحزاب الفقيه الإيراني، بعد الاحتلال الأميركي للبلاد، انتصارا للمظلومية، ونصرا “للانتفاضة الشعبانية” وامتدادا لها، كما يروج ملالي الحوزات، الذين ملأوا كل ميدان وزاوية في الجنوب العراقي، وإن جاء النصر على ظهر الدبابة الأميركية لا بأس في ذلك، طالما أن الثورة الإسلامية حلّت في عاصمة الرشيد وأصبح للشيعة “حاكم جعفري” ينهي زمن القهر والمظلوميات.

لم يحتج العراقيون كثيرا من الوقت لكشف زيف هذا الخطاب، وتهالكه أمام منتوجات واقع خلقه، فقط إثني عشر عاما من الحكم وفق هذه الأدبيات، وهي ليست بالفترة الطويلة نظرا لما تحتاجه عادة النظريات والأفكار، للتكشف والغربلة في مختبر التاريخ. فنحن لسنا بصدد خطاب ومنهجية معنية بالواقع، بقدر ما هي تضليلات غيبية لتدجين المجتمعات ونهبها لصالح منتجيها.

ليُصدم الفقيه الإيراني بحشود تملأ شوارع مدن الجنوب بما فيها كربلاء والنجف، لتطالب بالكهرباء والماء ومحاسبة الفاسدين والسرّاق، وسط صيحات “باسم الدين سرقونا الحرامية”، وليتعرض كهّان السلطة المعمّمين الذين كانوا بالأمس القريب في موضع التقديس والطاعة، إلى الطرد والشتيمة في الساحات العامة، في مشهد أظهر للفقيه الإيراني هشاشة خطابه وأدواته، أمام وعي شعبي بدأ في الانبلاج من قلب واقعه المعيشي والطبقي، وشعور شعبيّ بنوع من الخديعة التاريخية، تضاف إلى رصيد مديد من الخدائع التي انحكم لها العراقيّون بفعل السلطات الغابرة، والتي وعدت بجنة التقدم والحرية والعدالة في حقب منصرمة، بينما لم تعد الخمينية ووكلاؤها العراقيون، بأي شيء سوى بالثأر من التاريخ، وتعجيل فرج الإمام وغيرها من أفكار غيبية، اختزلت من خلالها نهاية المظلوميات، وقصرت المنجزات على حرية ممارسة الطقوس المازوشية المقدسة والتي لم يعرفها شيعة العراق، إلا في عهود كهّان الخمينية.

ما يشهده العراق من مظاهرات، إعلان حقيقي عن نهاية الخديعة التاريخية، التي حاولت إيران تصديرها إلى عموم “الشيعة” العرب وغير الشيعة أيضا، والمسماة بـ“الثورة الإسلامية”، وأنهت أحلام منظريها بإمكانية تمكنهم من الوعي الشعبي وانحكامه لهم، فميدان العراق كان خير مختبر لانحطاط تصدير تجربة الحكم وفق الأفكار الخمينية، والتي لم ينتج عنها سوى التجهيل والإفقار والتبعية، ليشرق وعيا شعبيّا يحرر الواقع من ربقة الكاهن التاجر والسياسي التابع، ويحطم إحدى أهم أدواتهم في نهب الفقراء وتدجين الوعي وسرقة البلاد، مطالبا بدولة علمانية تنهي تدخلات رجال الدين، وتنظف العراق من المفاهيم الطائفية التي زرعوها.

تبين أن “الحاكم الجعفري طلع حرامي”، حسب تعبير أحد متظاهري البصرة، ليرفع آخر يافطة في بغداد كتب عليها “نريد حاكم هندي” بسخرية عراقية طالما اختلطت بزفرات القهر، والتي تعكس واقع حال تاريخي قلما اتسم بالاطمئنان.

كاتب عراقي

9