العراق والرحلة الطويلة بين مشنقتين

الأحد 2013/09/29
بين سامي قفطان وعامر علوان صمت مسموع

يمكن اختصار القصة السينمائية لفيلم "الحاج نجم البقّال" ببضعة جمل مفادها "أن الحاج نجم قد ثار على الاحتلال الإنكليزي وقَتل "الكابتن مارشال" فأُعدم شنقا حتى الموت بأمر من ضابط المخابرات البريطاني جيرارد ليتشمان". غير أن هذه القصة تعرضت لأكثر من تعديل وحذف وإضافة بما يخدم الفيلم ويُظهره بالشكل الذي يليق بحب العراقيين لوطنهم من جهة، ولبعضهم بعضا من جهة أخرى.

هذا التكييف الإيجابي لم ينبع من فراغ، فالمخرج عامر علوان، المقيم في باريس منذ أكثر من ثلاثة عقود، لا يلتزم كثيرا بالسيناريو المُعدّ الذي تُوافِق عليه الجهات الرسمية، لأن مصادر إلهامه قد تحضر في أثناء البحث عن الأمكنة المناسبة لأحداث القصة السينمائية، أو أثناء التصوير، أو حتى في "الدردشة" العابرة أثناء فترات الاستراحة التي تتخلل التصوير. وما إن اكتشف المخرج المثابر عامر علوان أن لنجم البقال حفيدا يقيم في باريس، وقد بلغ الخامسة والثمانين من عمره حتى طلب من كاتب السيناريو أن يكتب بعض المشاهد الإضافية التي تتناول رغبة الحفيد الوحيدة بالعودة إلى العراق، كي يموت بين أهله وذويه، ويدفن إلى جوار قبر جده الحاج نجم البقال في مدينة النجف.

هنا تشرع نادية، التي وُلدت بباريس ونشأت وترعرعت هناك، برحلتها الجريئة إلى العراق بعد وفاة أبيها مباشرة مصطحبة جثمانه كي تواريه الثرى في المدينة التي يمحضها حُبا من نوع خاص. وهناك تكتشف أهمية جدها الأكبر نجم البقال، وتتعرف على أولاده وأحفاده وبعضا من أفراد عشيرته. ونتيجة لهذا التتبّع الدقيق تكتشف أن جدها الأكبر الحاج نجم البقال قد ولد في مدينة الرمادي، وأن عائلته قد انتقلت إثر خلاف مع أقربائه إلى مدينة الحلة، ومنها إلى مدينة النجف، حيث عمل في محل لبيع التمور وأصبح بقّالا. وعلى الرغم من انحداره من طائفة أخرى إلاّ أن عائلته عاشت بحب ووئام كبيرين مع أهالي مدينة النجف. وأكثر من ذلك فإن نضالهم ضد الإنكليز قد عزّز من أواصر وحدتهم ومصيرهم المشترك في مواجهة صروف الزمان. كان الحاج نجم البقال شجاعا، حيث شارك في ثورة النجف التي اندلعت ضد الاحتلال الإنكليزي عام 1918، وكان أحد قادتها، وقد سُميت باسمه، ومهّدت لاحقا لثورة العشرين. وعلى الرغم من هذه الرحلة الاستكشافية المليئة بالمخاطر والمغامرات، إلاّ أن الحفيدة نادية تودع أهل أبيها وجدها الأكبر في النجف، وتعود إلى حياتها الباريسية موشّحة بغلالة حزن واضحة على ما يعيشه العراق في ظل الاحتلال والإرهاب اليومي الأسود الذي يفتك بالمواطنين الأبرياء.

كاتب السيناريو والمخرج ربطا بين الاحتلال البريطاني للعراق عام 1918 والاحتلال الأميركي عام 2003


استثمار الخبرات


حين يعمل المخرج عامر علوان مع بعض الأسماء الفنية الكبيرة سنا وتجربة مثل الفنان سامي قفطان وطه علوان وعواطف نعيم وهناء محمد وكولن ديفيد ريس وميمون الخالدي وغيرهم من الفنانين المعروفين، فإنه يفيد كثيرا من خبراتهم وتجاربهم المتراكمة التي اكتسبوها على مرّ السنوات الطويلة التي أمضوها في حياتهم الفنية. وهو يعرف جيدا أن مواهبهم الفطرية وخبراتهم المكتسبة تؤهلهم للنهوض بأي دور يُسند إليهم، لذلك فهو لا يستحثهم ولا يقدم لهم التوجيهات والأوامر الفنية التي يستجيبون لها بالتأكيد، وينفذونها بالحرف الواحد، لكنه في هذه الحالة يترك مجالا واسعا للممثل المجرب الذي يمتلك باعا طويلا في التمثيل السينمائي. فعن سامي قفطان، تمثيلا لا حصرا، قال عامر علوان في حديث هاتفي: "إن سامي قفطان يستمع لصمتي، ويعرف ماذا أريد"، وهذا يعني أن العلاقة بين الاثنين قد تجاوزت مستواها العابر، وولجت مرحلة الفهم العميق لما يدور في ذهن المخرج الذي لا يحتاج لأن يبوح بأي شيء. بينما يختلف هذا الأمر حينما يتعامل مع ممثلة شابة مثل عايدة شليبفر، وهي ممثلة من أب عراقي وأم لبنانية، فقد طلب منها عندما كانت تؤدي الحفيدة نادية "ألا تتعامل مع الأشياء والمواقف بعواطفها، وإنما بذهنها"، وهذا يعني أن دوره في التوجيه يحضر مع الفنانين الشباب الذين لم تكتمل عدّتهم الفنية بعد، أو لم تنضج تجاربهم إلى القدر الذي يحررهم من أوامر المخرج ورؤاه الفنية التي يريد أن يجسّدها في معظم تفاصيل فيلمه.

يلعب الارتجال دورا مهما في تكييف بعض المَشاهد ففي أثناء التصوير انتبه الممثل كولن ديفيد ريس الذي يؤدي دور الضابط البريطاني ليتشمان إلى أهمية الفنان سامي قفطان ونجوميته في المشهد الفني العراقي، فطلب من المخرج لقطة واحدة يقف فيها وجها لوجه أمام سامي قفطان الذي يجسّد دور الحاج نجم البقال، فوافق المخرج عامر علوان.

ومن بين تفاصيل هذه المواجهة يقول كولن لقفطان: "أنا بمقدوري أن أعفو عنك لو أنك تعتذر إلى الملك وتخدم التاج البريطاني"، فجاء الردّ المُفحِم عبر المترجم طبعا: "هل يستطيع ملككم أن يعتذر للشعب العراقي عن الاحتلال والإذلال والعذاب الذي سبّبتموه للشعب العراقي. وإذا لم يستطع فليسقط الملك، وليسقط الإنكليز، وليسقط الاستعمار".

لا شك في أن هذا المشهد من أجمل مشاهد الفيلم تعبيرا، وأكثرها درامية، لأنه سيفضي إلى إعدام الحاج نجم البقال، وهو من المَشاهد التي خلقتها المصادفة، واجترحها التكيّف العابر الذي يقبل به المخرج المرن والمطواع عامر علوان.


كوميديا الموقف


يُطعِّم عامر علوان هذا الفيلم التراجيدي ببعض المشاهد الكوميدية التي تكسر حدة النفس التراجيدي، ويمكن أن نشير هنا إلى دور الفنان الكوميدي خليل إبراهيم الذي يتألق في كوميديا الموقف، ولا ينحدر بمواقفه الفكاهية إلى الضحالة والابتذال. لابد من الإشارة في خاتمة هذا المقال إلى أن كاتب السيناريو والمخرج قد ربطا بين الاحتلال البريطاني للعراق عام 1918 وبين الاحتلال الأميركي عام 2003، الذي جاء بنفس الادعاءات والأكاذيب القديمة التي تتعلق بتحرير الشعب العراقي، وجلب الديمقراطية، وتأمين الدواء والغذاء وما إلى ذلك من افتراءات لم تعد تنطلي على المثقفين والبسطاء على حد سواء.

لقد انتصر المخرج عامر علوان في فيلميه السابقين "زمان رجل القصب" و"وداعا بابل" إلى الشعب العراقي مُدينا الحصار والدكتاتورية في آن معا، وها هو يدين الحرب والحصار والدكتاتورية والاحتلالين البريطاني والأميركي مُنتصرا للوحدة الوطنية والتآلف بين طوائف الشعب العراقي الذي عاش منسجما متآخيا منذ آلاف السنين.

16