العراق والعرض السعودي

الأربعاء 2017/10/25

تفاءل البعض بالتوافق السعودي-العراقي غير أنه يظل تفاؤلا كسيرا. ذلك لأن العراق واقع تحت الحماية الإيرانية.

هناك ميليشيات مسلحة في العراق تدين بالولاء للولي الفقيه وهناك زعامات سياسية، في مقدمتها نوري المالكي، لا تنظر بعين الرضا إلى السعودية.

استعادة العراق عربيا ليست بالأمر اليسير ما لم يقرر العراق بنفسه العودة المريحة إلى محيطه العربي.

كانت هناك محاولات عربية في الماضي قد انتهت إلى فشل ذريع لا لشيء إلا لأنها لم تحظ بمباركة أميركية. اليوم تجري الأمور برعاية أميركية.

فهل ستخترق الرعاية الأميركية جدار المحظورات الإيرانية؟

السعوديون يعرفون كل شيء وإلا لما كان العاهل السعودي قد استقبل بنفسه، حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي في احتفال نادر من نوعه وألقى أمامه كلمة هي بمثابة عهد أخوّة.

لن يسمع العراقيون في السعودية كلاما عقائديا ولا شعارات ثورية. السعودية ليست إيران لذلك فهي لا تتاجر بالعقائد ولا تصدّر الأزمات.

ما يسمعه العراقيون من السعودية وما سيرونه من أفعالها على أرض الواقع لا يمتّ بصلة إلى ما هم فيه من متاهة، ساهموا بطريقة أو بأخرى في شق دروبها إلى أن وصلوا إلى ما هم عليه اليوم من حالة عجز تام عن الحفاظ على وحدة وطنهم. العلاقة بالسعودية لا تقوم على الشعارات.

هناك حقائق تاريخية وجغرافية سعى السياسيون العراقيون ليقفزوا عليها في سنوات حكمهم القلقة بعد الاحتلال الأميركي عام 2003.

وما تلك الحقائق إلا العناصر التي تتشكّل منها هوية العراق التي شهدت السنوات الماضية محاولات حثيثة لتجريفها واللعب بمقوماتها، بدءا من تزوير واقعها من خلال تكريس البعد الطائفي الذي التهم جزءا مهما من النسيج الاجتماعي العراقي، فصار العراقيون يتلفتون طائفيا في ظل غياب مشروع وطني موحد يجمع بينهم.

وليس غريبا والحالة هذه أن ينتهي الأمر ببغداد إلى أن تكون محكومة من قبل سلطة طائفية تفرّق من حولها العراقيون، ولا تجد سندا لها حتى بين النخب الشيعية المثقفة التي نأت بنفسها عمّا يمكن أن يؤدي إليه سلوك حكومة تسيطر عليها الميليشيات التي لا هدف لها سوى الدفع بالعراق إلى الحضن الإيراني.

فبغض النظر عن هوس الحكومة العراقية في التلويح بما حققته من انتصارات على جبهتي الحرب على داعش واستعادة المناطق المتنازع عليها، فإن تلك الحكومة لم تنجح في أن تكون حكومة وحدة وطنية.

ما شهدته المدن ذات الأغلبية السنية من إبادة بشرية وتهديم شامل سيقف دائما حائلا دون قيام مصالحة وطنية حقيقية، كما أن تعامل الحكومة مع الملف الكردي قد احتوى على الكثير من سوء الفهم الذي لن يدفع بالأكراد في اتجاه بغداد نظرا لفقدان الثقة.

في حقيقتها فإن حكومة بغداد هي أضعف من أن تمثل العراق الموحّد. ولم يحدث ذلك الضعف إلا بسبب السياسات الطائفية التي ما تـزال تلك الحكـومة تعتمدها في تصريف شـؤون رعاياها مستندة في ذلك إلى دعم إيراني لم يكن الهدف منه إلا إبقاء العراق دولة فاشلة لا يرى حكامها حلاّ لأزماتها إلا من خلال اللجوء إلى الميليشيات.

لذلك فإن العرض السعودي لن يحدث أثرا في العراق ما لم تملك الحكومة العراقية الإرادة الحرة والمستقلة. وهو تطور لا يمكن أن يقع من غير أن تتم إعادة النظر في السياسات التي أنهكت العراقيين وعرّضت جزءا عظيما منهم للهلاك.

فالعرض السعودي وإن طغت عليه لغة الاقتصاد هو عرض سياسي يمكن أن يعثر العراق من خلاله على لحظة توازن تبعده عن الانحيازات العقائدية التي ذاق العراقيون مرارتها وصار عليهم اليوم أن يبحثوا عمَّن يمدّ لهم يد العون لبناء دولتهم.

كاتب عراقي

8