العراق والكاظمي بين سيفين

حكومة الكاظمي ما تزال عاجزة عن ضبط الميليشيات التي تعتقد إدارة ترامب بأنها وراء تصاعد الهجمات الأخيرة، فالصواريخ وقذائف الهاون شبه اليومية استمرت في استهداف المنطقة الخضراء المحصنة بشدة.
الخميس 2020/10/01
الكاظمي أمام خيارين لا ثالث لهما

يبدو أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قررت أن تدفع مصطفى الكاظمي دفعا إلى مواجهة حامية مع إيران ووكلائها، بدعم أميركي عسكري ولوجستي ومخابراتي، مهما كانت أثمانها باهظة.

فالثابت الآن، وفي ضوء استمرار استهداف سفارتها في المنطقة الخضراء ومواقع جنودها المنتشرين حول مطار بغداد، أن هناك عدم ارتياح أميركي من مجمل تحركات الكاظمي غير الحازمة.

فهنا في أميركا صحفٌ أميركية وثيقة الصلة بمراكز صنع القرار ترى أن تعمُّدَ الإدارة تقصير مدة السماح للحكومة العراقية بمواصلة استيراد الغاز من إيران لشهرين فقط بدل أربعة، هو رسالة مكتوبة بالحبر السري موجهة، أولا، إلى حلفائها في العملية السياسية العراقية، وثانيا، لخصومها الموكلين من قبل النظام الإيراني بإزعاجها وإحراجها، خصوصا في هذا الوقت القصير المتبقي على الانتخابات الحاسمة القادمة، وعلى فرص ترامب في الفوز بالرئاسة لدورة ثانية.

والمقصود من هذه الرسالة أن الزمن المحدد بشهرين، وإلى ما بعد الانتخابات القادمة، سيكون فترة مناوشات وتهديدات كلامية فقط لا غير، في انتظار ما تسفر عنه الانتخابات، ولكل حادث حديث.

والمتوقع، من خلال متابعة الصحافة الأميركية المقربة من البيت الأبيض ووزارة الخارجية، أن يفتح ترامب أبواب جهنم على الإيرانيين ووكلائهم، في فترة هذين الشهرين، فقط إذا تجرأوا على القيام بعمل خارج إطار المسموح به والقابل لتأجيل الرد عليه.

ولكن المؤكد أن ذلك سيكون في حالتيْ فوز ترامب أو خسارته الرئاسة، في فترة الشهرين الفاصلين بينه وبين تسلمها أو تسليمها، في يناير القادم.

فقبل أشهر قال وزير الخارجية مايك بومبيو إن “الرئيس ترامب ومن في فريقه للأمن القومي مصممون على إنتاج المزيد من الردع لإيران، يجب أن يفهم خصمك ليس فقط أن لديك القدرة على فرض التكلفة الباهظة عليه، ولكن أيضاً أنّ لك القدرة الحقيقية على تحميله تبعاتها، كذلك”.

وقد ثبت اليوم أنهم منزعجون من النفوذ الكاسح والسلوك الوقح للقوات الموالية لإيران في العراق، لدرجة أنهم يهددون بغلق سفارتهم في بغداد ليكونوا أقدر على الانتقام.

ففي سبتمبر، وحده، شنت الميليشيات المرتبطة بطهران أكثر من 24 هجوماً في بغداد أو في محيطها، بما في ذلك توجيه ضربات إلى القوات الأميركية وقوات التحالف، ويبدو أن هذا التصعيد هو جزء من ردٍ إيراني موسع على مقتل سليماني.

وقد عبر مسؤولون عراقيون، لوكالة “أسوشيتد برس” عن دهشتهم من السماح الجديد الأكثر صرامة، والمحدد بـ60 يوما فقط، رغم أنه يأتي بعد شهر واحد فقط من زيارة الكاظمي لواشنطن ولقاءاته بالرئيس ونائبه ووزير خارجيته وعدد من النواب والشيوخ، والتي بالغ الأميركيون في مديحها واعتبارها ناجحة.

فقد مر شهر كامل على عودة الكاظمي من تلك الزيارة ولم يحقق ما وعد بتحقيقه. وذكرت صحيفة “ديترويت فري برس” أن الإدارة الأميركية زودت ضيفها بقوائم رسمية مصدقة، توثق بالأرقام والأسماء والتواريخ عمليات تحويل أطنان من الدولارات من العراق، عن طريق بنوك مرتبطة بإيران، أو بتهريبها بالشاحنات أو الطائرات الخاصة إلى حسابات في عواصم عربية وأوروبية تعود لكبار قادة العملية السياسية العراقية، منذ 2003 وحتى نهاية العام الماضي.

ونصحت الإدارة الأميركية الكاظمي باستخدامها لاستعادة بعض تلك الأموال المسروقة، أو ليهدد بها أشد معارضي رئاسته، ومنهم نوري المالكي، وهادي العامري، وفالح الفياض، وإياد علاوي، وقيس الخزعلي، ومقتدى الصدر وعدد كبير جدا من معاونيهم ووكلائهم، لتقوية هيبته، ولإحكام سيطرته على مقاليد الأمور.

وأضافت الصحيفة أن الكاظمي تعهد لها بتنفيذ أغلب تلك المطالب في زمن قصير. إلا أن الواقع الحقيقي في العراق يؤكد أن حكومة بغداد ما تزال عاجزة عن ضبط الميليشيات التي تعتقد إدارة ترامب بأنها وراء تصاعد الهجمات الأخيرة.

فالصواريخ وقذائف الهاون شبه اليومية استمرت في استهداف المنطقة الخضراء المحصنة بشدة، والتي تضم السفارة الأميركية، بينما استهدفت القنابل المزروعة على الطريق قوافل تحمل أسلحة مرسلة للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.

وأكثر ما أزعج الإدارة الأميركية هو قيام الكاظمي بإرسال وزير خارجيته، فؤاد حسين، ليلتمس من المسؤولين الإيرانيين أن يطلبوا من وكلائهم العراقيين التوقف عن إطلاق الصواريخ على السفارة أو القواعد والمعسكرات الأميركية في العراق. فقد اعتبرت ذلك دليلا على السذاجة السياسية، وعدم الرغبة في معالجة الأزمة بالحزم المطلوب.

وفي أعقاب التهديدات الساخنة التي أبلغها وزير الخارجية الأميركي للرئاسات العراقية الثلاث بغلق السفارة، تمهيدا للقيام بعمليات قنص الرؤوس الكبيرة المدبرة للهجمات، يبدو أن الإدارة الأميركية لم تقتنع بالبيانات والتصريحات التي حاول بها الإيرانيون وبعض وكلائهم العراقيين التنصل وتبرئة أنفسهم وميليشياتهم من المسؤولية، واعتبرتها مجرد توزيع أدوار ليس أكثر.

ورغم أن ساميويل وربيرغ، المتحدث الإقليمي باسم وزارة الخارجية الأميركية، أكد أن السفارة الأميركية مستمرة في عملها رغم كل التحديات، إلا أن صحفا أميركية مهمة، ومنها مُعارضة لإدارة ترامب، ذكرت أن قرار إغلاق السفارة جاهز للتوقيع، مع كل ما يستتبع ذلك من تبعات قد لا يتحمل أعباءها العراقُ المتعب الضعيف.

والخلاصة هي أن كل هذه التسريبات تعني شيئا واحدا، هو أن على الكاظمي أن يختار وبسرعة أحد اثنين: إما أن يستخدم كل ما لديه من قدرة عسكرية وأمنية ومخابراتية، وبدعم أميركي جاهز ومتأهب لمساعدته، وبالتأييد الواسع الذي أحاطه به الشارع العراقي، فيضع حدا للمستهترين بالقانون والأمن والسيادة، وهي فرصته الأخيرة، أو أن يتهيب المعركة، كما كان حاله في الأشهر الخمسة التي مرت على رئاسته للوزارة، وأن يستمر في المهادنة والمسايرة، فتذهب ريحه، وينتهي كما انتهى غيره من الفاشلين.

9