العراق وخطورة اللعبة الإيرانية

الاثنين 2014/06/23

هناك إعادة رسم لخريطة الشرق الأوسط انطلاقا من العراق.

من العراق بدأ المشروع التوسّعي الإيراني الجديد، أو المتجدد. وفي العراق توقف، وإن مؤقتا، هذا المشروع القائم على فكرة التوظيف في المذهبية أحيانا، واستغلال القضية الفلسطينية تحت شعاري «المقاومة» و«الممانعة» في أحيـان أخرى كثيرة.

سعت إيران، من خلال شعاري «المقاومة» و«الممانعة» إلى خطف القضية الفلسطينية من العرب والفلسطينيين. أقامت حتّى يوما أسمته «يوم القدس» في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان للمزايدة على العرب والشماتة بهم.

استطاعت اختراق «حماس» وعطّلت من خلالها أي تقدّم كان يمكن أن يتحقّق على الصعيد الفلسطيني، وذلك في ضوء لجوء «حماس» إلى العمليات الانتحارية التي أدّت، في مرحلة معيّنة، الغرض المطلوب منها إيرانيّا… وسوريّا.

الجديد حاليا، أنه تبيّن أن العراق ليس لقمة سائغة لإيران ولا لغيرها، على الرغم من كلّ الجهود التي بُذلت من أجل تغيير التركيبة السكّانية في المدن الكبرى، خصوصا في بغداد.

تبيّن أنّ في العراق، إلى إشعار آخـر، بقايا روح وطنية تجمع بين السنّة والشيعة فيه. لعبت هذه الروح الوطنية دورا كبيرا في صدّ الهجمات الإيرانية على الجنوب العـراقي طوال الحرب التي دارت بين عامي 1980 و1988 وهي حرب، كان في أساسها خطأ فادح في التقدير، بل جريمة ارتكبها صدّام حسين عادت بالويلات على العراقيين، وعلى أهل المنطقة. اعتقد صدّام أن إيران ستكون هدفا سهلا بعد الثورة التي أطاحت الشاه في العام 1979، وأنّه يكفي الهجـوم على إيران كي تستسلم وتتوقف عن الدخل في الشأن الداخلي للعراق.

لم يدرك أنّه، بإقدامه على هذا العمل المتهوّر، سيوقظ الروح الوطنية لدى الإيرانيين، وأنّه سيسمح بذلك لآية الله الخميني بتحقيق هدفه المتمثل في إبعاد الجيش الإيراني، الذي لم يكن متأكدا من ولائه، عن المدن والمراكز الحيوية.

ولكن في سنة 2014، تدفع إيران ثمن رهانها على ضعف العرب عموما من جهة، وعلى قدرتها على تشكيل، أو شراء، قوّى سنّية قادرة على التحرّك لخدمة أهدافها من جهة أخرى. اتكّلت، في جانب مما تقوم به، على المذهبية. ركّزت على الشيعة في البحرين ولبنان والعراق وعلى النظام العلوي في سوريا. وعملت على تغيير في الأوساط الزيدية في اليمن. وقد نجح هذا التغيير في خلق “الحوثيين” الذين باتوا يسيطرون على مناطق واسعة في شمال اليمن.

كذلك، اتكلت على اختراقات في صفوف أهل السنّة، سواء أكان ذلك في لبنان أو فلسطين… أو مصر والسودان. وإذا كانت إيران حققت نجاحا في مصر، فإنّ سقوط نظام الإخوان المسلمين في مصر شكّل نكسة كبرى لها. فطوال السنة التي كـان فيهـا محمّـد مرسي رئيسا لمصر، كان الغزل بين طهران والقاهرة دائرا. لا اعتراض مبدئيا على مثل هذا الغزل، لولا أنّه كان يصب في احتواء إيراني لمصر المطلوب تعطيل دورها على الصعيد الإقليمي.

كان العراق الجائزة الكبرى التي حصلت عليها إيران. كان العراق الذي سلّمه الأميركي إلى إيران على صحن من فضّة منطلقا للتمدد في الإقليم. زادت الطموحات الإيرانية في لبنان إلى درجة بات معها في الإمكان التخلص من رفيق الحريري، بصفته زعيما سنّيا تتجاوز حدود زعامته حدود لبنان، علما أن رفيق الحريري كان زعيما وطنيا لبنانيا ساعد في دعم المؤسسات التي يقوم عليها الوطن الصغير بغض النظر عن الانتماءات الطائفية والمذهبية. ثمّة ثلاثة أمثلة، بين العشرات، بل المئات، يمكن سوقها في هذا المجال.

أوّلها دعم الحريري لجريدة «النهار» كي تظلّ على رجليها. و«النهار» كانت جريدة وطنية معروف من يوجّهها ويشرف على سياستها. المثل الثاني كان دعم الجامعة الأميركية في بيروت ومستشفاها. والثالث دعم المؤسسة العسكرية اللبنانية التي كانت في كلّ وقت مؤسسة وطنية فوق الطوائف والمذاهب.لا داعي بالطبع إلى التذكير بعدد اللبنانيين الذين علّمهم رفيق الحريري وهم من كل الطوائف والمذاهب والمناطق والطبقات الاجتماعية.

استفادت طهران إلى أبعد الحدود من العراق. ربّما جاء وقت تتذكّر فيه أن السياسة التي اتبعتها، والتي أوصلتها إلى مرحلة تستطيع فيها تشكيل حكومة عراقية، وتسمية الشخص الذي سيكون على رأس الحكومة، وتعيين وزراء إيرانيين، أو من أصول إيرانية، يتولون حقائب في غاية الأهمية تتعلّق بالتربية والتعليم، لا يمكن أن تتجاوز سقفا معيّنا.

اسم هذا السقف هو التركيبة العراقية، حيث هناك سنّة وشيعة وأكراد. بين الشيعة عرب ما زالوا يؤمنون بالعراق أوّلا، وهؤلاء في مقدّمة من يرفضون الاستعمار الإيراني لبلدهم وتغيير طبيعة العاصمة بغداد.هؤلاء يرفضون التحكّم بالبلد بواسطة الميليشيات المذهبية التي ترّبى عناصرها وتدربّوا على السلاح في إيران.

من هذا المنطلق، لا يمكن للإيرانيين الإدعاء أنّهم شركاء في الحرب على الإرهاب التي تخوضها الولايات المتحدة منذ العام 2001، والتي كان من نتائجها احتلال العراق ووضعه في عهدة إيران.

كذلك، لا يمكن لحكومة نوري المالكي الهرب من الوضع الداخلي للعراق، ومن ممارسات ذات طابع مذهبي متزمّت، عن طريق توجيه اتهامات من النوع المضحك- المبكي إلى المملكة العربية السعودية التي سبق وأن وضعت «داعش» على لائحة الإرهاب. فعلت السعودية ذلك في وقت كانت هناك جهود حثيثة يبذلها النظامان الإيراني والسوري لدعم تنظيمات من هذا النوع. كان الهدف من ذلك إظهار النظام السوري في مظهر من “يحارب الإرهاب”، وأن حربه ليست على الشعب السوري كما هو واقع الحال.

يتبيّن يوميا أن لعبة الاستحواذ على أوراق إقليمية للتفاوض مع المجتمع الدولي، على رأسه الولايات المتحدة، لعبة لا أفق لها. بل هناك أفق واحد وحيد لهذه اللعبة. يتمثّل هذا الأفق في إثارة الغرائز المذهبية. هذه الغرائز سلاح ذو حدّين، تستطيع إيران أن تستخدمه، ولكن لا يمكن إلّا أن يرتدّ عليها في نهاية المطاف.

تاريخ المنطقة مليء بالأمثلة التي تشير إلى أن ليس في استطاعة أي طرف التحكّم بردود الفعل الناتجة عن استثارة الغرائز المذهبية والاستثمار فيها، اللهمّ إلّا إذا كان الهدف النهائي تفتيت الدول وإزالة الحدود القائمة لمصلحة الدويلات المذهبية. هل إيران نفسها في منأى عن هذا الخطر؟


إعلامي لبناني

8