العراق وطن مليء بالمهاجرين واللاجئين

الأحد 2015/09/20

مواطن كندي فرنسي يعمل بالأمم المتحدة، موظف حكومي كبير يأخذ الباص كل يوم ولا يحب القيادة في زحمة العاصمة، يقول لي إن جده قد جاء من فرنسا إلى كندا سنة 1665 وهو يعتبر الحفيد الكندي الثالث عشر. أربعة قرون من الاستقرار في بلد واحد حتى لو كان جديدا، ربما كفيلة بإقناعه بهذا الوهم الذي نسميه “وطنا”. العراقيون -بالمقابل- الذين يتجولون في تركيا اليوم يعرفون أن هذه كانت بلادهم قبل مئة عام فقط. جدهم الرابع كان مواطنا عثمانيا، يأتي مع القوافل وقد يخدم في الجندية ويدفع الضريبة للباب العالي.

العراق خلال مئة عام انتقل من مقاطعة عثمانية إلى مقاطعة تابعة للإمبراطورية البريطانية، ثم تحول إلى ملكية مستقلة بملك هاشمي حجازي، وبعدها فجأة تحول إلى جمهورية شيوعية بانقلاب عسكري، ثم دولة قومية بانقلاب بعثي. وبعد مفاجآت غير سارة أصبح العراق تحت الاحتلال الأميركي عام 2003. وخلال عشر سنوات من ذلك الاحتلال صار دولة صفوية تابعة لإيران. ومنذ أكثر من عام نصف، العراق دولة إسلامية سلفية، في مواجه دامية مع نصفه الصفوي الجنوبي. وقد تم إعلان “خلافة إسلامية” على نصفه السلفي. كما تم إلغاء الحدود بين العراق وسوريا. دون أن نذكر شبه انفصال للجزء الشمالي الكردي القلق الذي لا يبعث على الاطمئنان أيضا بنظر الكثير من الشباب الكردي الذي يفضل الهجرة إلى أوربا.

ألا ترون أن هذا كثير على بلد وليد في مئة عام فقط؟ لهذا تهتز هوية العراق كدولة وطنية اليوم، ولا بد من وجود خطأ جغرافي يجعل الدولة الجديدة في حالة انهيار مستمر. العراقي الذي يهاجر لن يعود لأن العراق في نظرهم ليس دولة ولا يصلح لتربية الأطفال والاستقرار وجمع المال. السياسيون أيضا مقتنعون بهذه الحقيقة، لهذا تجدهم مستمرين بالنهب وتحويل المال إلى أرصدتهم في الدول المستقرة. حتى الدواعش يتدفقون إليه لبناء دولة جديدة. فهم أيضا مقتنعون بأن هذا الركن الرديء من العالم بشكله الحالي لا يصلح أن يكون دولة، بل يجب ضم أجزاء كبيرة من سوريا إليه، وتكوين بلد أكبر ذي هوية سنية أكثر وضوحا.

شيعة العراق يقولون؛ نحن ندفع ثمن الخطأ الجغرافي، فحين ظهر الخميني عام 1979 بمشروع التمدد الشيعي ومشروع تصدير الثورة الإيرانية المعلن، جنّد صدام حسين شيعة العراق بقانون التجنيد الإلزامي. وقُتل في تلك الحرب خلال ثماني سنوات حوالي نصف مليون شيعي عراقي، غير الذين أُعدموا بسبب الفرار من الخطوط الأمامية. وبعد ثلاثة عقود من تلك المأساة يظهر الخليفة البغدادي بمشروع التمدد السني. ويكون على شيعة العراق تقديم مليون قتيل أيضا، لوقف هذا الزحف المخيف. بينما تقدم إيران لهم الاستشارات والخطط العسكرية ولكنها لا تقدم لهم الدم الايراني والرجال. ثم إن شيعة العراق يقولون ما هي نتيجة الحرب على التمدد الخميني وخسارة كل تلك الدماء؟ أليست الخمينية تحكم العراق اليوم؟ ولماذا علينا التفاؤل بأن حرب التمدد الداعشي اليوم لن تكون سوى شيء مشابه من الفشل؟

عدد كبير من الشباب يشعرون بأنهم يدفعون الثمن الباهظ دائما، وعدم إقبال الشباب السني على القتال يساهم أكثر في تفاقم الكراهية والطائفية خصوصا ببغداد. شيعة العراق يشعرون بأنهم الخزان البشري “الغبي” أو بمعنى آخر “العاطفي”، الذي يكون وقودا للحروب في كل العصور.

جاء خطيب الدولة الإسلامية أبو محمد العدناني ليلة سقوط الموصل بيد داعش عام 2014 وقال في خطابه "النجف الأشرك، وكربلاء المنجسة"، إن هدم المجتمع يبدأ بكلمة ثم يحدث فعلا بالمعاول والديناميت

تدفق الشيعة نحو اللجوء رغم أن الحكم العراقي شيعي ولا يوجد اضطهاد عليهم، ذلك لأنهم يشعرون بانعدام العدالة. يقولون إن شباب السنّة لا يقاتلون داعش، ويخرجون إلى تركيا طلبا للجوء في أوروبا بينما هم -على هذا الفك المكسور من الوطن- يموتون كل يوم على حدود الرمادي وبيجي. ماذا يستفيد الشيعي من تحرير الرمادي أو الموصل؟ لماذا يقاتل ويفقد عينه وساقه وحياته لتحرير الموصل المدينة التي لم يرها في حياته؟

كان برميل البترول بمئة دولار ولم تكن هناك داعش ولم يلمس الشباب أيّ تحسن ورفاه في حياتهم داخل العراق. اليوم وقد أصبح البرميل بأقل من خمسين دولارا، والسيد حيدر العبادي يصرح علنا بأن سعر البرميل لا يغطي اليوم تكاليف استخراجه، ماذا يتوقع الشاب العراقي ولماذا يقاتل؟ كانت ميزانية البلاد 150 مليار دولار في بعض السنوات وكان يتم نهبها من قبل النخب السياسية، أو يتم صرفها على الطقوس والمشاريع الطائفية التي ترعاها الدولة.

هذا هو سبب المظاهرات الحقيقي والمسكوت عنه. يقول صديق قادم من بغداد إن أهالي الكاظمية لا يتحدثون عن داعش مطلقا، هذا الموضوع يزعجهم كفكرة ويهدد أرزاقهم. الشاب يقول داعش خطر يهدد العالم كله، وفيها مقاتلون أشداء، لماذا على الشاب الشيعي العراقي وحده مواجهته على الأرض؟ وما هي المكافأة والثمن مقابل هذا الموت اليومي للشباب؟ ولماذا أوروبا تفتح اللجوء للشباب السني العراقي لإعادة التوطين والهجرة والاستقرار والتعليم؟ لهذا صاروا يزوّرون وثائق المحافظات السنية ويفرون على شكل مجاميع كبيرة إلى أوروبا.

وقد ظهر مؤخرا أبو عزرائيل -شخصية معروفة بالحشد الشعبي- يدعو رفاقه إلى عدم السفر وطلب اللجوء. الحقيقة هذا الشاب يشعر بأنه قد تم خداعه أيضا. فقد صنعه السياسي لمرحلة إعلامية تنتهي قريبا، وقد تورط بمشاهد قطع لحم بشري وحرق جثث، لا يستطيع اللحاق بمساعديه إلى ألمانيا. وإلا فإن شابا مثله كان يمكن أن يصبح مدربا في ناد محلي لبناء الأجسام، أو حارسا في ناد ليلي، أفضل عاقبة من أن يمسي رأسه من حصة الدواعش في أطراف بيجي.

السنة -من جهتهم- يقولون نحن عاجزون عن تحرير النائب أحمد العلواني الذي يتعرض للتعذيب في سجون المالكي، ولا نستطيع تحرير قرابة 1000 امرأة سنية في السجون السرية العراقية يتعرضن للاغتصاب بشهادة منظمات إنسانية عالمية، فكيف يمكن أن تكون لدينا الجرأة على قتال داعش؟ وهذا الأمر بالذات لا يريد أن يفهمه سادة العالم في العراق وسوريا. فأين القوات التي دربتها واشنطن في سوريا؟ وأين مشروع تسليح العشائر السنية في العراق؟ كيف تقنع السني السوري والعراقي بأن المجرم والعدو هو داعش وليس بشار الأسد والميليشيات؟ هذا مستحيل.

عدد كبير من الناس يفكر بالهرب من الحرب، فالعراق يبدو بلدا مليئا بالمهاجرين واللاجئين، المشكلة هي أن أسعار العقارات ما زالت عالية فالبيت بمليون دولار، ولا يعرف أصحاب البيوت هل يبيعون أم ينتظرون؟ ربما يهبط البيت ويعود سعره إلى ثلاثة آلاف دولار كما كان أيام الحصار الأميركي على البلاد. لا أحد يعرف والقلق سيد الموقف.

تسجيلات داعش تثير الهلع وتدفع الناس إلى الفرار بأعداد كبيرة. شاب تونسي يقول جئناكم من قرى نائية وبعيدة في تونس أيها الروافض تسبون أمنا عائشة”، ويفجر نفسه مع مئة من الحشد الشيعي والنار تصل إلى عنان السماء. وشاب آخر في مقتبل العمر ليس له في العراق لا ناقة ولا جمل، قبل أن يفجر نفسه يقول بابتسامة وديعة “حدثوا أنفسكم بالعمليات الاستشهادية يا إخوان”، ويصورون لك النار تحوّل الأفق إلى حريق.

الشرق أصبح مكانا غير آمن ومصدر قلق عالمي، فهذه السيدة ميركل تعلن عن استعداد بلادها لاستقبال 800 ألف لاجئ سوري في ألمانيا خلال العام الجاري، ثم تتراجع عن ذلك بسبب لاواقعية هذا الكلام. هؤلاء خلال عقدين يصبحون عشرة ملايين مسلم سني في ألمانيا؟ لهذا تم نشر الجيوش على حدود الدول الأوروبية للسيطرة على حركة الهجرة.

القضية لم تعد قضية داعش فقط، بل تغير الاحترام المتبادل بين الطوائف الكبرى. فمثلا كنّا ننظر باحترام لضريح علي بن أبي طالب في النجف، ولضريح الحسين في كربلاء. كان هذا الاحترام المتبادل للمقدّسات هو ضمان السلم الأهلي في المجتمع العراقي. كان احتراما نابعا من الحاجة إلى التعايش والسلام بعد خبرة قرون طويلة من الدماء.

جاء خطيب الدولة الإسلامية أبو محمد العدناني ليلة سقوط الموصل بيد داعش عام 2014 وقال في خطابه “النجف الأشرك، وكربلاء المنجسة”، إن هدم المجتمع يبدأ بكلمة ثم يحدث فعلا بالمعاول والديناميت.

كاتب عراقي

5