العراق يتجه إلى الخروج من حرب داعش دون الدخول في مرحلة استقرار

تنظيم داعش يستبق الهجوم النهائي من قبل القوات العراقية على الجيوب التي لا يزال يحتلّها في شمال البلاد وغربها، بهجمات خاطفة عن طريق خلاياه النائمة في أنحاء متفرّقة من البلاد، مؤكّدا بذلك أنّ معركة الموصل التي تقترب من الحسم لن تكون نهاية المواجهة معه، وأنّ فقده السيطرة على المناطق والمدن لا يعني نهايته.
الثلاثاء 2017/05/23
حرب الموصل ليست آخر المأساة

بعقوبة (العراق) - أظهرت سلسلة من الهجمات شنّها تنظيم داعش في أنحاء متفرّقة من العراق، هشاشة الوضع الأمني في البلد المتّجه بثبات نحو الخروج من فترة الحرب واسعة النطاق على التنظيم، دون أن يعني ذلك الدخول آليا في مرحلة استقرار أمني، لعدّة أسباب من بينها أنّ الحرب النظامية التي مكّنت من انتزاع المناطق من يد داعش، تظلّ أبعد ما تكون عن اجتثاثه بالكامل والقضاء على كل خلاياه النائمة والقابلة للاستيقاظ في كل لحظة.

كما أنّ عوائق متشعّبة تنظيمية وسياسية واقتصادية واجتماعية تضيّق أفق المرور إلى مرحلة الاستقرار في العراق، حيث يحذّر خبراء الشؤون الأمنية من تغلغل الفساد والمحسوبية داخل أجهزة الأمن بما يؤثر على أدائها وكفاءتها، ومن وجود كم هائل من السلاح خارج يد الدولة وبيد ميليشيات تستمّد سلطة كبيرة من الشخصيات السياسية وحتى الدينية التي تقودها أو تقف وراءها، وثبت أنّها لا تتردّد في استخدام سلاحها في تصفية حسابات حزبية وشخصية ولتحصيل مكاسب مادية عن طريق الاختطاف والمساومة والابتزاز والحصول على أموال الفدى.

ومن السلاح ما هو موجود أيضا بيد العشائر التي أصبحت في بعض المناطق تنوب عن الدولة الضعيفة وتتولى بنفسها حفظ أمنها والدفاع عن أبنائها وأرزاقها، وخوض “الحرب” على خصومها وأعدائها.

وعلى صعيد سياسي واجتماعي، فإنّ الظروف التي هيّأت الأرضية لتنظيم داعش لا تزال قائمة وتتمثّل في العملية السياسية التي توصف بـ”المشوّهة” لقيامها على المحاصصة الحزبية والطائفية والعرقية، وما يستتبع ذلك من صراع شرس على السلطة ومن إضعاف للحس الوطني، فضلا عن سيطرة المكوّن الشيعي على مقاليد السلطة، وتهميش المكوّن السني الذي يدفع الشعور بالمظلومية عددا من أبنائه إلى الارتماء في أحضان الجماعات المتشدّدة بدافع اليأس من عدالة الدولة والمجتمع.

كما أنّ هشاشة الوضع الاقتصادي في العراق واستشراء الفقر والبطالة يضعفان ممانعة البعض للدعوات الدينية المتطرّفة.

وبعد ثلاثة أيام من تنفيذه سلسلة هجمات ضد مواقع مدنية في غرب العراق، نفذ تنظيم داعش هجوما على قاعدة عسكرية شرق البلاد، مستخدما قذائف الهاون والانتحاريين، في محاولة لإرباك التحضيرات العسكرية للهجوم على اثنين من آخر معاقله المتبقية في الأراضي العراقية، ومعرّضا صورة القوات العراقية إلى اهتزاز جديد، وفقا لخبراء.

وكان التنظيم المتشدّد قد هاجم، مطلع الأسبوع، أبراج الاتصالات والكهرباء في مواقع بالقرب من معقله المهم في منطقة القائم، قرب الحدود بين العراق وسوريا، ليعود فجر الإثنين، ويهاجم قاعدة عسكرية عراقية في محافظة ديالى، شرق البلاد، مخلفا العشرات من القتلى والجرحى في صفوف القوات العراقية.

ووفقا لخبراء أمنيين، فإنّ هدف داعش من شن هجمات في غرب وشرق البلاد، هو إرباك الاستعدادات العسكرية العراقية، لاستعادة منطقتي الحويجة في كركوك، والقائم في الأنبار.

هشام الهاشمي: داعش اختبر نموذج الدفاع عن المدن التي يحتلها وانتهى إلى فشل ذريع

ويقاتل داعش بيأس، دفاعا عن نحو سبعة أحياء صغيرة مازالت تحت سيطرته في قلب مدينة الموصل مركز محافظة نينوى بشمال البلاد، وسط توقعات بانهياره الكامل في غضون أيام.

وفشلت جميع خطط التنظيم الدفاعية في مساعدته على الاحتفاظ بأي منطقة مهمة منذ بدأت القوات العراقية حملتها لاستعادة الأراضي التي احتلها التنظيم صيف 2014 وما تلاه.

وطردت القوات العراقية، مدعومة بطيران التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة، تنظيم داعش من معظم الأراضي التي يحتلها في محافظات ديالى وصلاح الدين والأنبار، فيما يتّجه التنظيم لفقد معاقله الأخيرة في مدينة الموصل بمحافظة نينوى، التي تقاتل القوات العراقية منذ شهور لاستعادتها.

ولكن التنظيم لا يزال يحتفظ ببضع مناطق مهمة داخل الأراضي العراقية، أبرزها القائم في غرب الأنبار، والحويجة غرب كركوك، وتلعفر والبعاج شمال غرب الموصل، والساحل الأيسر من منطقة الشرقاط شرق محافظة صلاح الدين.

وبعد ضمانها إحراز النصر في الموصل، بدأت القوات العراقية تحضيراتها لإطلاق عمليات استعادة الحويجة والقائم. وبدلا من انتظار وصول القوات العراقية إليهما، يبدو أن التنظيم قرر شن عمليات استباقية لعرقلة تقدم القوات العراقية.

ويقول الخبير الأمني هشام الهاشمي إن “داعش اختبر نموذج الدفاع عن المدن التي يحتلها، وانتهى إلى فشل ذريع”، مضيفا أن “التنظيم خسر جميع المدن التي هاجمتها القوات العراقية، بدْءا من ديالى ومرورا بصلاح الدين والأنبار، ووصولا إلى نينوى”.

ويوضح الهاشمي أن “استمرار داعش في طريقته الدفاعية داخل المناطق التي يحتلها، يعني القضاء عليه من قبل القوات العراقية، والتنظيم يدرك أن الأمر يتعلق بالوقت فقط”. وبناء على ذلك، قرر تنفيذ هجمات في مواقع ربما تشكل منطلقا لعمليات عسكرية، لذلك ضرب أولا شمال بحيرة حديثة في الأنبار، لعرقلة تحضيرات عملية استعادة القائم، وضرب ثانيا في شرق ديالى، لتعطيل استعدادات تحرير الحويجة.

وفي العمليتين اللتين نفذهما التنظيم في الأنبار وديالى، قدمت القوات العراقية أداء مرتبكا، وفقا لمراقبين. ففي القائم غرب الأنبار، تنقل عناصر داعش بين عدد من أبراج نقل الكهرباء والاتصالات، مفجّرا إياها الواحد تلو الآخر، وعندما بلغت القوات العراقية هذه المواقع، تعرضت لانفجار عبوات ناسفة، أوقعت جرحى في صفوفها، وصفوف موظفين مدنيين جاؤوا للقيام بإصلاح الأضرار.

وفي منطقة بلدروز في ديالى، دفع داعش بأربعة انتحاريين نحو قاعدة عسكرية، بعد استهدافها بقذائف الهاون، تمكن اثنان منهم من اختراق جدارها الأمني، والوصول إلى داخل باحتها الرئيسية، وبينما فجر أحدهما نفسه، بقي الآخر يقاتل نحو 3 ساعات، قبل أن يقتل.

وتضاربت الأنباء بشأن حصيلة هذه العملية، إذ ذكرت مصادر أنها تسببت في مقتل 7 جنود وضابط كبير، بينما قالت مصادر أخرى إن حصيلتها بلغت 12 قتيلا و10 جرحى.

ووفقا لمراقبين، فإن عمليات داعش الهجومية ربما تستمر، لكنها لن تتم بالطريقة التقليدية للتنظيم القائمة على الهجوم على مناطق كبيرة واحتلالها، ولكن على طريقة حرب العصابات والتفجيرات الانتحارية والاقتحامات المباغتة.

ويقول هؤلاء إن داعش بدأ يستعيد نموذج تنظيم القاعدة، في تنفيذ عمليات نوعية هادفة إلى إرباك الوضع الأمني ومنع عودة الاستقرار وإحداث الدوي الإعلامي للفت الأنظار وتسجيل الحضور بالمشهد، بعد فشل خطط الحرب واسعة النطاق واحتلال المناطق والمدن.

3