العراق يتجه لمعاقبة مواطنيه الأكراد جماعيا على الاستفتاء

مخاوف في العراق من أن تتحوّل بغداد في ردّها على الاستفتاء الكردي من إجراءات حماية الوحدة الترابية للبلد إلى فرض عقاب جماعي على كتلة كبيرة من الناس تتمسّك بأنهم جزء من مواطنيها، وذلك بدفع من إيران وتركيا اللتين لا يعنيهما سوى قمع أي مطامح استقلالية لأكراد المنطقة بغض النظر عن الوسائل المعتمدة في ذلك والنتائج المترتبة عنها.
الجمعة 2017/09/29
قطع الأرزاق كقطع الأعناق

بغداد - اتسمت ردود فعل الحكومة العراقية على استفتاء استقلال إقليم كردستان بطابع غير مسبوق من السرعة والحزم والجدّية لم يعهده المراقبون في تحرّكات بغداد إزاء قضايا وملفات عديدة أخرى.

وتستند حكومة حيدر العبادي في تحرّكها المضاد لاستقلال الأكراد على اتساع دائرة الرفض له في الداخل العراقي بغالبية مكوناته وقواه السياسية، لكنّ الدافع الأكبر لذلك التحرّك يظلّ الاتفاق النادر والتام بين الجارتين الكُبْريين للعراق، إيران وتركيا على وجوب التصدّي بحزم للنوازع الاستقلالية الكردية، وبأي ثمن.

ومع توجّه الإجراءات العراقية الإيرانية التركية ضدّ إقليم كردستان صوب الجوانب الاقتصادية، بدأت تلك الإجراءات تتخّذ طابع العقاب الجماعي للملايين من الناس تتمسّك بغداد بأنّهم جزء لا يتجزّأ من مواطنيها بما أنّها ترفض استقلالهم ولا تعترف بنتائج الاستفتاء الذي أجري للغرض.

وبمشاركة إيرانية وتركية بدأت ترتسم معالم حصار لكردستان العراق معيدة إلى الأذهان الحصار الطويل الذي كان العراق قد خضع له بعد غزو الكويت سنة 1990، وما خلفه من مآس ومعاناة للعراقيين.

وتواصل أربيل صمتها، حيال تصعيد بغداد، بعد إجراء إقليم كردستان استفتاء شعبيا على الاستقلال، في وقت تستمر اللقاءات والاتصالات الكثيفة بين مسؤولين عراقيين وأتراك وإيرانيين، لتنسيق جهود الرد على الخطوة الكردية.

ويقول مراقبون في إربيل، إن زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود البارزاني، وهو أكبر داعمي الاستفتاء، “ربما يجد نفسه في ورطة، حيال تصعيد بغداد إجراءات الضغط على أربيل، التي تهدد بعزل الإقليم الكردي اقتصاديا”.

وبالرغم من أن الحكومة والبرلمان العراقيين أعلنا سلسلة من الإجراءات العقابية بحق الإقليم، بعد الاستفتاء، إلا أن أشدها وقعا، وفقا لمختصين في شؤون الاقتصاد، وقف التعاملات المالية بين بغداد وكردستان، وتعليق الرحلات الجوية الدولية من وإلى الإقليم الكردي.

ويقول مختصون في الشؤون الاقتصادية لـ”العرب”، إن “وقف التعاملات المالية وتعليق الرحلات الدولية يمثلان بداية لعزل منطقة كردستان اقتصاديا”.

وتعتمد بغداد على تأييد تركي وإيراني لإجراءاتها العقابية، لذلك فإن فعاليتها تبدو أكبر، وفقا لمراقبين.

وحظر البنك المركزي، وهو أعلى سلطة نقدية في العراق، ليل الأربعاء، التحويلات المالية بين مناطق العراق وإقليم كردستان.

وأكد مصدر في البنك، “إيقاف التحويلات المالية بين المحافظات التي تسيطر عليها الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان”، مبينا أن “ذلك يأتي ضمن العقوبات المالية التي صدرت بحق إقليم كردستان”.

وأضاف أن “التحويلات المالية التي جرى إيقافها تتعلق بالمصارف وشركات التحويل المالي”.

ويقول متخصصون في الشؤون الاقتصادية، إن التحويلات المالية بين المصارف وشركات الصيرفة، تمثل ركنا أساسيا في حركة السيولة النقدية في إقليم كردستان، مشيرين إلى أن “وقف التحويلات المالية سيضر بالحركة التجارية في أسواق الإقليم بشدة”.

اجراءات قاسية ستخلق عجزا اقتصاديا تاما في المنطقة الكردية وتجعلها تحت رحمة تركيا وإيران

وجاء قرار البنك المركزي العراقي، بعد ساعات من إبلاغ بغداد عددا من شركات الطيران الأجنبية تعليق رحلاتها الدولية من وإلى مطاري أربيل والسليمانية، أكبر مطارات إقليم كردستان العراق.

ولم تتردد الشركات المعنية في الاستجابة، إذ أعلنت كل من شركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية، وشركة الخطوط الجوية التركية والخطوط الجوية الإيرانية والملكية الأردنية والخطوط الجوية المصرية والخطوط الجوية القطرية والخطوط الجوية الأذرية، تعليق رحلاتها من وإلى كردستان، بدءا من مساء الجمعة 29 سبتمبر.

حيال ذلك، لم يجد مطار أربيل إلّا الإذعان لرغبة بغداد، إذ أعلنت مديرة المطار، تلار فائق، عن تعليق جميع الرحلات الدولية من المطار وإليه، اعتبارا من مساء الجمعة.

ولم تقف إجراءات بغداد عند هذا الحد، بل يجري الحديث عن إغلاق منافذ كردستان الحدودية مع كل من إيران وتركيا، ووقف تصدير نفط الإقليم عبر أراضي الأخيرة.

ويستورد إقليم كردستان معظم احتياجاته الأساسية من تركيا وإيران.

ويقول مراقبون إن إجراءات بغداد تقترب من أن تكون حصارا اقتصاديا شاملا لكردستان، على غرار الحصار الذي خضع له العراق إثر اجتياح الكويت في تسعينات القرن الماضي.

ويقول مراقبون إن إغلاق الحدود وتعليق الطيران الدولي ووقف التعاملات المالية سيخلق عجزا اقتصاديا تاما في المنطقة الكردية.

ومن شأن هذه الإجراءات أن تضع المنطقة الكردية في العراق، تحت رحمة تركيا إيران، في حال تنفيذ بغداد لتهديداتها. ويحظى العبادي بدعم السلطة التشريعية في العراق.

ويقول النائب عن التحالف الشيعي الحاكم، هلال السهلاني، إن الحكومة العراقية “أبلغت الدول الأخرى بقرار إغلاق المطارات والأجواء الجوية وتعليق جميع الرحلات إلى مطارات شمال العراق”، مؤكدا أن “الحظر الجوي سيسري اعتبارا من مساء الجمعة”.

وتابع أن “هناك دولا أبلغت الحكومة رسميا بأنها علقت رحلاتها إلى تلك المطارات منذ يوم الأربعاء، لحين تسلمها إشعارا حكوميا جديدا”.

ومضى يقول إنّ “هناك حزمة قرارات إجرائية تتعلق بصلاحية رئيس الوزراء، سيتولى العبادي تنفيذها بشكل مباشر، ولا سيما ما يتعلق منها بنشر القوات الاتحادية في كركوك والمناطق الأخرى، على أن يتم اطلاع البرلمان عليها دوريا من خلال حضوره إلى مجلس النواب كل شهر ليقدم تقريرا بما تم تنفيذه من تلك الإجراءات”.

وأشار إلى أن “اجتماعات اللجان النيابية مع الوزارات والجهات الحكومية، لمتابعة تنفيذ القرارات المتعلقة برفض استفتاء كردستان ستبدأ الأسبوع المقبل”.

لكن القيادي البارز في ائتلاف القوى السنية، ظافر العاني، يرى أن “مشكلة الاستفتاء إنّما هي مشكلة سياسية وينبغي أن تكون حلولها في الإطار السياسي ولا تمتد إلى حياة المواطنين والنازحين”.

3