العراق يتدحرج إلى هاوية مالية خانقة

الخميس 2014/11/27
النفط شريان الحياة الوحيد في العراق في ظل الانهيار الشامل للنشاط الاقتصادي

بغداد – ذكر محللون أن العراق يتجه إلى أزمة مالية خانقة، لم يشهد لها مثيلا منذ سنوات الحصار الاقتصادي، بسبب تراجع أسعار النفط واستشراء الفساد وانفجار الموازنة التشغيلية التي يصعب تقليصها.

ذكرت تقارير عالمية أن العراق بدأ يتدحرج إلى هاوية مالية سحيقة، بسبب تراجع العوائد النفطية وارتفاع تكاليف الصراع مع تنظيم داعش، وأنه يتجه في العام الحالي لتسجيل عجز يزيد على 60 مليار دولار في الموازنة الافتراضية، التي كف عن محاولة إقرارها.

وتعددت الضربات التي تلقاها الوضع المالي في العراق، لتمتد من التراجع الحاد في أسعار النفط وتكاليف الحرب الباهظة إلى انتشار الفساد وغياب خطة بعيدة المدى للنمو الاقتصادي، وصولا إلى انفجار الموازنة التشغيلية التي يصعب تقليصها.

وأكدت التقارير أن البلاد أصبحت على شفا كارثة اقتصادية محققة.

ويهيمن الملف الاقتصادي حاليا على أولويات الحكومة الاتحادية في بغداد. وقد حذر رئيس الوزراء حيدر العبادي من أن الحكومة في طريقها إلى اتخاذ حزمة من إجراءات التقشف، لكنه طمأن في الوقت نفسه الموظفين المدنيين وضباط الجيش على رواتبهم.

ويؤكد خبراء الاقتصاد ورجال الأعمال المحليون أن الاقتصاد يتجه إلى الانكماش لا محالة.

ويستند هؤلاء إلى معوقات جمة تواجه أي محاولة لتسريع النمو في الوقت الحالي، بعد الخراب الواسع الذي خلفته الحكومة السابقة، بقيادة نوري المالكي، والعجز الكبير الذي خلفته في الموازنة العامة للبلاد.

ويبدو أن المنظمات الدولية تراقب الوضع العراقي المتأزم من بعيد، فقد توقع صندوق النقد الدولي، الأسبوع الماضي، أن ينكمش الاقتصاد العراقي بنسبة 2.75 خلال العام الحالي، وهي أعلى نسبة انكماش يتعرض لها اقتصاد البلاد منذ الغزو الأميركي عام 2003 وما تبعه من انهيار اقتصادي.

ومع هبوط أسعار خام برنت إلى نحو 78 دولارا للبرميل أمس، بات من الواضح أن الاقتصاد بدأ ينحدر إلى أزمة خانقة، بسبب اعتماده شبه الكلي على عوائد النفط، في ظل الانهيار الشامل للنشاط الاقتصادي.

لكن انخفاض الأسعار ليس المشكلة الوحيدة التي يعاني منها القطاع في العراق، فقد دأبت الحكومة السابقة على بناء الموازنة على تقديرات مرتفعة لسعر البرميل، وهو ما اعتبره خبراء مشكلة حقيقية.

هوشيار زيباري: "الحكومة السابقة بددت المليارات على تمويل الميليشيات الشيعية"

وقال أكرم الهيتي، المحاضر في كلية الهندسة بجامعة بغداد، والمتخصص في قطاع النفط، إن حكومة المالكي لم تستوعب احتياجات البلاد أولا قبل تحديد الأسعار.

وأضاف أن “معظم الدول النفطية الأخرى تضع سعرا للبرميل أقل بكثير من الأسعار العالمية، تحســبا منها لأي انخفاض مــفاجئ”.

وأعلنت الحكومة الحالية خلال الأيام الماضية أن موازنة عام 2015 سيتم حسابها على أساس 80 دولارا للبرميل، مقارنة بـ 90 دولارا في موازنة العام الحالي التي لم يتمكن البرلمان العراقي من إقرارها.

ولم يسلم قطاع النفط العراقي من آثار القتال ضد تنظيم داعش، الذي سيطر على مساحات واسعة من الأراضي العراقية التي تضم عددا من آبار النفط في محافظة نينوى، وتمر من خلالها صادرات النفط من حقول محافظة كركوك.

وقالت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية مؤخرا إنه من ضمن الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي تسبب فيها داعش “تعطيل خط أنابيب كركوك الذي يمتد إلى ميناء جيهان التركي، بعد أن كان هدفا مستمرا لهجمات المتشددين منذ شهر مارس الماضي”.

وتقول تقديرات غير حكومية إن بغداد تخسر 1.2 مليار دولار شهريا بسبب خروج هذا الخط من الخدمة.

وتعاني الموازنة العراقية من سوء التخطيط، وهو ما أضاف عبئا على الحكومة، ولا تزال الموازنة تواجه ارتفاعا في النفقات بسبب ضخامة الموازنة التشغيلية التي كانت تلتهم أكثر من 80 بالمئة من حجم الإنفاق.

ويقول مراقبون إن الاحتياطات النقدية التي يملكها البنك المركزي لن تكفي لسداد العجز في موازنة العام الحالي، في الوقت الذي لم تبق فيه أي احتياطات نقدية تقريبا، وهو ما يعني أنه لم تعد هناك أموال كافية للتعامل مع الانخفاض الحالي في أسعار النفط.

وتساءل متابعون للملف الاقتصادي في العراق عن السبب من وراء تعمد الحكومة عدم الإعلان بشفافية عن تكاليف الحرب على داعش. ولم يستبعدوا أن تكون تكلفة الحرب باهظة وتشكل عبئا ثقيلا على موازنة العراق المنهكة.

واشنطن بوست: "حرب داعش عطلت صادرات النفط من حقول كركوك العراقية"

وفي مقابلة أجرتها وكالة أنباء رويترز مع وزير المالية العراقي هوشيار زيباري مطلع الشهر الجاري، قال زيباري إن الحكومة السابقة “بددت المليارات على دفع رواتب وتسليح عناصر الميليشيات الشيعية” التي تحارب داعش، والتي تحظى بسمعة سيئة بين العشائر السنية نتيجة ممارساتها الطائفية.

وأضاف زيباري أن “الإنفاق على هذه الميليشيات تسبب في حدوث عجز كبير في الموازنة. أعتقد أن الحكومة السابقة أنفقت مليار دولار على الميليشيات منذ شهر يونيو الماضي”.

ويقول مراقبون إنه لم يعد هناك شك في أن العراق ينحدر إلى أزمة اقتصادية محكمة ستؤثر بشكل مباشر على المواطنين في الفترة المقبلة.

وعقب إعلان ثلاث محافظات (الأنبار، وكربلاء، وواسط) انتهاء احتياطاتها النقدية، توقع المراقبون أن تلحق محافظات أخرى بها قريبا إن لم تتخذ الحكومة إجراءات سريعة لإقرار موازنة 2015 ومعالجة العجز المالي العام.

ويقول محللون أن من الصعب على العراق إصدار سندات محلية لتغطية العجز، في بلد لا يتعامل أكثر من 95 بالمئة من سكانه مع المصارف، ولا يثق معظم سكانه بالحكومة ويحملها المسؤولية عن كافة الكوارث.

أما إصدار سندات دولية فهو أكثر صعوبة، في ظل المستقبل الغامض والصراع الذي تقول الدول الغربية أنه قد يستمر لسنوات طويلة، إضافة الى قلة خبرة المؤسسات المالية العراقية وقلة الثقة بها.

10