العراق يتعافى!

برغم أن عوائد النفط تضاعفت إنتاجا وأسعارا، الأهم أن الصدمة والترويع اللذين أخضع إليهما المجتمع العراقي بهدف مسح الذاكرة، قد بدآ يتلاشيان، وأن الذاكرة الشعبية أخذت باستعادة أنسجتها التالفة.
الخميس 2018/04/12
طبقات متخمة صارت حديثا نتيجة الثراء وأخرى مدقعة لا تملك قوت يومها

لو قيل لي ذلك لما صدقت وأنا أعاين يوميا العشرات من “البوستات” التي تكشف تراجع المجتمع العراقي وعدميته أمام ظواهر لا تمت بصلة لتحضره وتعلمه، الذي قطع شوطا طويلا في التمدن والتثقف، منذ نشوء أول جامعة عراقية مطلع عشرينات القرن الماضي، حين أسست كلية الحقوق، حتى إنشاء أكبر الجامعات بمختلف التخصصات، ويفاخر العراق بأن أول وزيرة عربية سجلت في التاريخ العربي الحديث كانت عراقية هي السيدة نزيهة الدليمي العام 1958 إبان أول حكم جمهوري، وكانت وزيرة يسارية فاعلة في الرأي والقرار.

ذهبَ الزمان وضوعه العطر وعاش العراق بعدها حقبا دموية في محصلاتها وحروبها وميزانياتها العسكرية المليارية، وكأن البلاد لا تملك إلا خيار الحرب والشعور بالتهديد المستمر، الذي حاول الباشا نوري السعيد رئيس الوزراء في العهد الملكي الإفلات منه من خلال حلف دولي يؤمن للعراق حماية بلا تكاليف باهظة وأعلن حينها حلف بغداد العام 1955.

 يقولون في الأمثال الشعبية العراقية “شدّ ألها عكسْ” بمعنى حوّل مجراها ومسراها باتجاهات مختلفة، وهذا ما فعلته حنكة الباشا حين رحّل ميزانية التسلح على ميزانيات دول كبرى وعظمى.

ويرددها العراقيون كل يوم، ألمس ذلك وأنا أسير في شوارع بغداد وأرى حركة غير عادية لم آلفها من قبل، ومشهد البضائع التي تتكدس في الطرقات يكشف أن كل شيء قد توفر، من مناشئ شتى والناس تقبل على الحياة بطريقة لافتة، وكأنها استفاقت لتعيش يوما باذخا جديدا.

 نعم هناك العشرات من الشحاذين الذين يجوبون الشوارع ويستوقفونك في الطرقات ليبيعوا لك أي شيء، لكنك ترى أحدث السيارات والمركبات وأغلاها، تجوب شوارع بغداد حتى انقسم المجتمع بين الذين يملكون كل شيء والذين لا يملكون أي شيء.

مجتمع جديد يخلو من لمسة التوحد والتقارب الذي عاشه سنين في أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية، فهناك طبقات متخمة صارت حديثا نتيجة الثراء، وأخرى مدقعة لا تملك قوت يومها، هذه الصورة جديدة عليّ، وبرغم أن عوائد النفط تضاعفت إنتاجا وأسعارا، الأهم أن الصدمة والترويع اللذين أخضع إليهما المجتمع العراقي بهدف مسح الذاكرة، قد بدآ يتلاشيان، وأن الذاكرة الشعبية أخذت باستعادة أنسجتها التالفة، وأن الناس يبحثون عن قيادات كفؤة وشرطهم الوحيد ألا تكون فاسدة ولا طائفية، ولا يطيقون تصريحات الساسة لو يحلفون لهم بأغلظ الأيمان، بعد أن منحوهم خمس عشرة سنة في الحكم وصبروا عليهم طويلا، ولم يعرفوا “كود” العراقيين الحقيقي، و”باسويردهم” الجديد، بنشوء جيل جديد صارت لديه مناعة مضاعفة ضد السياسيين الفاسدين ووعودهم الكاذبة، وهم لا يقبلون إلا بتغير الوجوه، ومحاكمة الفاسدين، ويدخل العشرات منهم للانتخابات البرلمانية المقبلة وقد لا يفوزون لكنهم يتنافسون بوعي آخر.

24