العراق يحتاج إلى إصلاح حقيقي لا إلى مصالحة كاذبة

أغضبت ورقة تسوية قدّمتها القوى السنية العراقية تتضمن رؤيتها الخاصة لحلّ الخلافات السياسية والأمنية لمرحلة ما بعد تنظيم الدولة الإسلامية أطراف التحالف الشيعي التي تؤكد أن تحالفها لن يتنازل عن استحقاقاته الدستورية “كمكون يملك الأغلبية لحكم البلاد”.
الأحد 2017/05/28
خارج نطاق المهتمين بالمصالحة

عمان - رفض ائتلاف دولة القانون على لسان النائب كامل الزيدي تسوية قدمتها القوى السنية العراقية ووصفها بأنها شروط للقبول بتسوية التحالف الوطني (الشيعي)، لافتا إلى أن هذه الورقة تتضمن سقوفا عالية.

ويعتبر أكاديميون وسياسيون عراقيون تحدثوا لـ”العرب” أن التسوية وحتى المصالحة الوطنية تبقى من القضايا الملتبسة في العراق، التي أنفقت عليها حكومتا نوري المالكي وحكومة حيدر العبادي مئات الملايين من الدولارات من دون تحقيق شيء يذكر.

يصف سعد ناجي جواد، الأستاذ في كلية العلوم السياسية بجامعة بغداد والمحاضر حاليا في إحدى الجامعات البريطانية، الحديث الذي تتداوله الأحزاب والكتل والشخصيات الحاكمة في العراق عن المصالحة بأنه حديث مضحك يراد منه استمرار هذه الجهات في الحكم وفق طريقة “الحزب القائد”، فكل شيء تمكن مناقشته شريطة أن لا يمس مكانة الحزب القائد.

ويقول إن مفهوم المصالحة لا يستقيم مع مبدأ تهميش الآخرين، فبمجرّد القول باستثناء الكتلة الفلانية والحزب الفلاني والمكون الفلاني من المصالحة لن يبقى معنى لمفهومها، مضيقا أن فكرة المصالحة المطروحة الآن والمشاريع التي يروّج لها والتي وصلت إلى حد مفاتحة جهات ومنظمات خارجية، لا تستقيم مع المبدأ الأساس المطلوب وهو التوجه إلى الأطراف الداخلية الرافضة لما يجري.

المصالحة إذا كان المقصود منها مصالحة الأطراف المشتركة في الحكم منذ 2003 أو بين الكتل نفسها، التي تطرح الفكرة وهي مختلفة ومتنافرة، إن لم نقل ممزقة فيما بينها، بل ويعادي بعضها بعضا، لوجود اختلافات كبيرة، فإنها لن تغير من واقع الحال الطائفي والإثني الذي جلب الويلات والتمزيق للمجتمع العراقي منذ الاحتلال ولحد الآن.

ويرى جواد أن هناك حاجة ماسة إلى التصالح مع الشعب العراقي الذي يعاني من هيمنة وتسلّط الأحزاب والكتل والشخصيات التي تدوّر نفسها وتبقى مهيمنة على الساحة السياسية وتغير الوجوه الفاسدة والطائفية، معتبرا أن العراق لا يحتاج إلى مشاريع للمصالحة كالتي تطرح الآن، وإنما إلى إصلاح شامل لكلّ العملية السياسية ولكلّ مؤسسات الدولة، وأن مثل هذا الإصلاح هو الذي سيرضي جميع العراقيين باستثناء الأحزاب والكتل والشخصيات الحاكمة.

إن أول خطوة في الاتجاه الصحيح يجب أن تتزامن مع معركة تحرير الموصل، فالقوات المسلحة من وجهة نظر جواد ينبغي أن تقود عملية إصلاح شاملة لكلّ صنوفها وأفرادها، بدءا من محاسبة ومحاكمة القيادات التي تسببت في سقوط الموصل وكافة المحافظات الغربية وبعض المحافظات الشرقية وإنزال العقوبات الصارمة والقانونية بهم.

كما تجب محاسبة أيّ فرد أو مجموعة أساءت إلى المواطنين أثناء عملية التحرير وكل مجموعة خطفت ولا تزال تخطف المواطنين، لتعقبها خطوة ثانية هي محاسبة الفاسدين وسارقي المال العام على مدى أربع عشرة سنة وتقديمهم إلى محاكمات عادلة، ورفع الحصانة عن النواب الذين يتسببون في تمزيق المجتمع العراقي.

ولد ميتا

تكاد وجهة النظر التي طرحها جواد تقترب كثيرا من وجهة النظر التي أدلى بها لـ”العرب” مسؤول مكتب العلاقات الخارجية لحزب البعث خضير المرشدي، فهو يرى أن العملية السياسية في العراق وصلت إلى طريق مسدود لا يمكن تجاوزه إلا بتغييرها وإعادة كتابة دستورها وقوانينها، معتبرا أن تحرك بعض القائمين عليها لتغيير قواعد اللعبة من خلال طرحهم مشاريع التسويات والمصالحات هو محاولة لإنقاذ العملية ومنعها من الانهيار والسقوط .

في مقدمة العوائق التسوية والمصالحة يقف الاحتلال الإيراني وميليشياته المسلحة، وقوانين العملية السياسية ودستورها، وفساد أحزاب السلطة وأجهزتها السرية، والتدخل والنفوذ الأجنبي متعدد الجنسيات في العراق

ويتطابق الوصف، الذي أطلقه النائب عن تحالف القوى العراقية ظافر العاني مع الوصف، الذي طرحه المرشدي على مشاريع التسوية بأنها ولدت ميتة، وهو الوصف الذي رفضه أحد أعضاء تحالف القوى العراقية، الذي طلب عدم ذكر اسمه، وقال إننا سائرون في إجراء التسوية وشكلنا لجنة فنية من التحالف الوطني (الشيعي) واتحاد القوى العراقية (السنّي) تبحث الورقتين اللتين قدمهما الطرفان والبدء في كتابة ورقة موحدة، بعد أن جرت جولة تفاهمات بينهما بعد قمم الرياض، بعد شعور (التحالف الشيعي) بضرورة إجراء تسوية سياسية تخوفاً من نتائج تلك القمم التي عقدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الرياض.

وكشف عن أن مشروع التسوية مستند إلى رؤيتين سنية وشيعية تضمهما الورقتان اللتان قدمهما الطرفان، وستبدأ كتابة الورقة المشتركة بعد تصنيف قضاياهما إلى ثلاثة أقسام الأول هو القضايا المتفق عليها، والثاني القضايا الخلافية الممكن حلها، أما الثالث فيشمل القضايا الخلافية التي لا يمكن حلها وتحتاج إلى قرار سياسي، رافضا رؤى قوى المعارضة التي ترى أن لا حلّ إلا بإلغاء العملية السياسية ودستورها.

يرى خضير المرشدي أن المشكلة في العراق أكبر وأعقد وأعمق من موضوع تسوية بين أحزاب وكتل وتيارات ومجموعات متناحرة لتحقيق مكاسب انتخابية، وللتغطية على صفقات فساد وسرقة ونهب، ولإعادة إنتاج العملية السياسية وتدويرها وتثبيت أركانها البالية.

وتأتي التسوية الحقيقية بتطبيق عناصر الحلّ الشامل والدائم لقضية العراق، وبإزالة العوائق الرئيسة المانعة للمصالحة والمعيقة للحل، وفِي مقدمة تلك العوائق هو الاحتلال الإيراني وميليشياته المسلحة، وقوانين العملية السياسية ودستورها، وفساد أحزاب السلطة وأجهزتها السرية، والتدخل والنفوذ الأجنبي متعدد الجنسيات في العراق .

ويدعو المرشدي العراقيين إلى دعم المشاريع الوطنية التي تخدم استراتيجية المقاومة في التحرير والاستقلال والخلاص وتشجيعها، والوقوف بحزم ضد المشاريع ذات التوجهات الفئوية أو الطائفية أو التقسيمية كافة أو تلك التي تدعو إلى إقامة الأقاليم، أو التي تسعى إلى المشاركة في العملية السياسية، أو التي تتناغم في خطاباتها وبرامجها مع الاحتلال الأميركي أو الإيراني للعراق، والعمل على إفشالها بتنفيذ مبادئ الحلّ الوطني الشامل والعادل لقضية العراق التي أعلنها حزب البعث، فإنها كفيلة بتهيئة الأرضيّة المناسبة للمصالحة الوطنية الحقيقية والتسوية الشاملة ..

وعلى الرغم من تأكيد المرشدي وجود القوى المعارضة، التي ترى وجوب إلغاء العملية السياسية قبل الشروع في أي تسوية أو مصالحة، فإن عضو مجلس النواب العراقي السابقة ندى الجبوري ترى أن مشروع المعارضة العراقية غائب، وتقول إن بالإمكان إجراء التسوية والمصالحة في ظل هذا النظام المبني على المحاصصة، بعد أن أدركت قيادات النظام، بنحو عميق، عدم جدوى الأسلوب الذي يدار به البلد ودفعهم إلى تقبل فكرة التسوية.

وتضيف أن أغلب الساسة العراقيين لا يميزون بين مفردة المصالحة، التي هي إجراءات من صلب اختصاص الحكومة المركزية وبين مفردة التسوية التي هي مرحلة ممهده تسبق المصالحة، مشيرة إلى أن التسوية والمصالحة ينبغي أن تكونا شموليتين في الغالب للمكونات المجتمعية والكيانات المشاركة في العملية السياسية وأطراف المعارضة في الداخل والخارج باستثناء التنظيمات الإرهابية.

المطالبون بالثأر واهمون

يتناول عبدالرزاق الدليمي، رئيس قسم الدراسات العليا في كلية الإعلام بجامعة البترا الأردنية، مفهومي المصالحة والتسوية من وجهة نظر أكاديمية فيرمي بالوهم من يظن أن المصالحة تعني تصالح القوى السياسية مع بعضها، فهذا لا يحصل حتى في أرقى الدول الديمقراطية، إذ أن المتنافسين السياسيين يستمرون في مهاجمة و”تعرية” بعضهم بعضا وإبراز أخطاء بعضهم بعضا في جميع الأوقات وتحت الظروف كلها، بل هم يسعون إلى تمييز أنفسهم وسياساتهم عبر إبراز الخلافات أمام الرأي العام حتى وإن كانت غير عميقة.

ويقول الدليمي إن المصالحة كمشروع مجتمعي طويل الأمد تعني إنجاز توافق وطني بين مختلف مكونات الإطار الحضاري للمجتمع حول خطة شمولية ومتكاملة ومحددة ودقيقة، تسترشد بالمبادئ الأساس المستخلصة من تجارب فض النزاعات بالطرق الهادئة وتخضع لمضمون القانون الدولي وإجراءاته الملزمة، مشيرا إلى أن مشروعا نبيلا كهذا لن يتمكّن من النجاح إلا إذا توفرت له شروط منها وجود حكماء نزهاء وعادلين، وقبول الأطراف المتنازعة الجلوس إلى طاولة حوار واحدة وإظهار القابلية الحقيقية للإصغاء النشيط للآخر وتحديد الغايات البعيدة من المصالحة وأهدافها المرحلية، وتدقيق بنود هذه الأهداف وجدولة إجراءاتها بحسب الزمان والمكان المبتغيين منها، ثم تحديد المعتدي والمعتدى عليه ومرجعيات كل منهما وربط المصالحة بالإصلاح الشمولي مع العمل سويا من أجل ضمان عدم تكرار الاعتداء المعني وعدم التساهل، سواء في الحاضر أم المستقبل.

كاتب عراقي

6