العراق يستعين بجلاديه على "حل" أزماته الداخلية

الحرب التي يخوضها العراق ضد تنظيم داعش، والأزمة الحالية التي يتخبط فيها جراء الاستفتاء الكردي على الانفصال، أثبتتا مجددا عدم قدرة البلد على معالجة قضاياه بنفسه، واجتراح حلول لها ملائمة لمصلحة شعبه بطريقة مستقلة عن القوى الإقليمية والدولية التي هي في الأصل طرف في تفجير تلك القضايا والأزمات.
الأحد 2017/10/01
الشعب يدفع ثمن الأجندات السياسية

بغداد – تعتزم القوات الإيرانية والعراقية إجراء مناورات عسكرية مشتركة قرب الحدود في إطار جهود طهران لدعم بغداد عقب استفتاء إقليم كردستان العراق على الاستقلال.

وقال التلفزيون الإيراني، السبت، نقلا عن متحدث عسكري، إن قرار إجراء المناورات اتخذ خلال اجتماع لكبار القادة العسكريين الإيرانيين والذي تم خلاله أيضا “الاتفاق على إجراءات لتعزيز أمن الحدود واستقبال القوات العراقية التي ستتمركز في المواقع الحدودية”.

كما قررت إيران تجميد حركة شحن المنتجات النفطية من وإلى إقليم كردستان العراق إلى أجل غير مسمى ردا على استفتاء استقلال الإقليم.

ولم تخرج معالجة الحكومة العراقية لملف الاستفتاء، الذي جرى مؤخرا حول استقلال إقليم كردستان، عما بات مألوفا من تدويل وأقلمة لقضايا البلد وأزماته الداخلية عبر استدعاء دول كانت في الأصل وراء تفجّر تلك القضايا أو على الأقل ساهمت بدرجات متفاوتة في تعقيدها ما يجعل الحلول مفصلة على مقاس تلك الدول ومصالحها وعلى حساب العراقيين.

ولم يكد البلد يقترب من حسم الحرب المرهقة ضد تنظيم داعش، والتي استعان فيها بشكل كبير بإيران والولايات المتحدة، حتى تفجرت في وجهه قضية مساعي الأكراد لتأسيس دولة مستقلة على جزء من أراضيه لتجد حكومة بغداد نفسها مجددا بين حكومتي طهران وأنقرة.

المشاركة الإيرانية والأميركية في حرب داعش بالعراق لا تخلو من آثار سلبية إذ أدى الاعتماد الأميركي على كثافة النيران والقصف العشوائي بالطيران والمدفعية على مناطق مأهولة بالسكان إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا في صفوف المدنيين

وعلى مدار السنوات الثلاث الماضية خاض العراق حربا ضد تنظيم داعش ساهمت فيها الولايات المتحدة وإيران بدرجات متفاوتة، حيث أمن التحالف الدولي بقيادة واشنطن الغطاء الجوي للقوات العراقية كما شارك الخبراء الأميركيون في تخطيط المعارك وتسييرها وفي تحديد أهداف القصف المدفعي لمواقع التنظيم وتنفيذه.

ولعبت إيران دورا في تلك الحرب سواء عن طريق خبرائها العسكريين على الأرض، أو عن طريق الميليشيات الشيعية التابعة لها والمسلحة والمدربة من قبلها.

ولم تخل المشاركة الإيرانية والأميركية في حرب داعش بالعراق من آثار سلبية إذ أدى الاعتماد الأميركي على كثافة النيران والقصف العشوائي بالطيران والمدفعية على مناطق مأهولة بالسكان مثل مدينة الموصل إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا في صفوف المدنيين.

وتحاول الولايات المتحدة التي تبدو فاقدة لتوازنها في المنطقة، من خلال الحرب على تنظيم داعش في العراق والمنطقة، تأمين دور لها في مرحلة ما بعد التنظيم ينافس الدور الروسي الذي تعاظم بشكل واضح.

وتقول مصادر عراقية إن واشنطن ضاعفت من حضور قواتها الخاصة في عدة قواعد بالأراضي العراقية، كما أنها تحاول تأمين وجود لها على الأراضي السورية خصوصا عن طريق قوات سوريا الديمقرطية التي تشرف عليها وتدعمها في الشرق السوري.

أما إيران فتقدمت من خلال حرب داعش خطوة جديدة باتجاه السيطرة على العراق وتوسيع نفوذها هناك، بتحويله من نفوذ سياسي عن طريق الأحزاب الشيعية الموالية لها إلى سيطرة ميدانية على الأرض عن طريق الميليشيات الشيعية التي كونت بانضوائها ضمن الحشد الشعبي جيشا طائفيا رديفا بالغ القوة والتأثير بما في ذلك على الحياة السياسية ودوائر اتخاذ القرار نظرا لاستناده على أسس عقائدية.

ولا تسلم الدولتان؛ الولايات المتحدة وإيران، من اتهامات العراقيين أنفسهم بالمسؤولية عن مختلف الأوضاع القائمة في العراق، على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية وأيضا الأمنية، في إشارة إلى الدور المباشر لواشنطن وطهران ليس فقط في إسقاط النظام السابق، وإنما أيضا في تفكيك مؤسسات الدولة العراقية بدءا بحل جيشها في ظرف أمني معقد، وإرساء نظام سياسي قائم على المحاصصة الحزبية والطائفية والعرقية بقيادة الأحزاب الشيعية التي فشلت بالكامل في إدارة شؤون الدولة ودفعت بالمجتمع نحو التفكك.

ولا يمكن الفصل بين سعي أكراد العراق إلى الاستقلال والنظام الذي ساهمت كل من طهران وواشنطن بإرسائه في البلد سنة 2003 وما انتهجه ذلك النظام من سياسات تمييزية منفرة للمكونات وطاردة لها.

لا يمكن الفصل بين سعي أكراد العراق إلى الاستقلال والنظام الذي ساهمت كل من طهران وواشنطن بإرسائه في البلد سنة 2003 وما انتهجه ذلك النظام من سياسات تمييزية منفرة للمكونات وطاردة لها

كما لا تنفصل مبادرة القيادة الكردية العراقية بتنظيم استفتاء على الاستقلال عن احتلال داعش للمناطق العراقية وعن الحرب التي دارت لاستعادتها منه، حيث وجد الأكراد أنفسهم أمام فرصة تقوية جيشهم (البيشمركة) واستخدامه في توسيع خارطة سيطرتهم لتشمل الكثير مما يعرف بالمناطق المتنازع عليها بما في ذلك المنطقة الأكثر أهمية والأغنى بمخزونات النفط محافظة كركوك.

واليوم تستدعى تركيا من قبل حكومة بغداد للمساهمة إلى جانب إيران في حل معضلة الاستفتاء الكردي، وهي عملية لا تخلو أيضا من مفارقة. فمن جهة تتهم أنقرة بشكل صريح من مقربين من السلطة العراقية بالمساهمة، وحتى بالتواطؤ، في إدخال مقاتلي داعش إلى العراق ولاحقا في شراء النفط الذي سرقه التنظيم.

كما تتهم من قبل الدوائر ذاتها بتقوية مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان العراق وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني ومساعدته على “التمرد” على بغداد بشراء نفط الإقليم دون العودة إلى الحكومة المركزية.

ومن جهة مقابلة يتم اللجوء إلى تركيا لمحاصرة البارزاني سياسيا واقتصاديا وحتى عسكريا لإثنائه عن مساعيه لإنشاء دولة كردية على جزء من الأراضي العراقية.

3