العراق يستنجد بالأمم المتحدة في مواجهة تغوّل الفساد

محاربة الفساد في العراق دون توفر إرادة سياسية فعلية لذلك، وفي غياب الآليات والوسائل اللاّزمة بما فيها القضاء النزيه، تظل ضربا من إضاعة الوقت، حتى وإن تمّ الاستنجاد بمؤسسات دولية على رأسها الأمم المتحدة.
الجمعة 2016/08/12
"معجزة" إفقار بلد بمثل ثراء العراق لا يمكن تحقيقها إلا عن طريق عقول "مبدعة" في الفساد

بغداد - وقّعت الحكومة العراقية، الخميس، مذكرة تفاهم مع الأمم المتحدة تقضي بإشراك محققين دوليين في ملفات فساد كبرى وملاحقة المتورطين فيها، واستعادة ملايين الدولارات التي هُرّبت خارج البلاد على مدار الأعوام الماضية.

ولم تسلم الخطوة من انتقادات صدرت عن جهات عراقية شكّكت بجدوى تدخّل الأمم المتحدة في موضوع الفساد بالعراق، في غياب إرادة سياسية داخلية في محاربة الظاهرة والتصدّي لها.

وقال أحد منتقدي الخطوة إنّه على افتراض وجود رغبة حقيقية لدى عدد من أفراد الطاقم الحكومي الموجود حاليا، بمن في ذلك رئيس الوزراء حيدر العبادي، ولدى عدد من نواب البرلمان في فتح ملفّات الفساد الكبرى، فإنّ المسألة تظل إلى حدّ كبير مرتبطة بتوازنات سياسية وبنفوذ أشخاص أقوياء مستفيدين من الفساد ويمتلكون من القوة ما يوفّر لهم حصانة ضدّ المحاسبة.

واستدل على ذلك بفضيحة الفساد الكبرى التي تفجّرت مؤخرا بفعل السجال الحاد والتراشق بالتهم بين وزير الدفاع خالد العبيدي من جهة، ورئيس البرلمان سليم الجبوري وعدد من النواب من جهة مقابلة، والتي أغلقت في وقت قياسي وبطريقة دلّت على أنّ القضاء لم يكلّف نفسه عناء النظر فيها، كما أثارت شكوكا عميقة في أنّ السلطة القضائية خضعت لضغوط سياسية في ما يتعلّق بالقضية.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي، الخميس إن “العراق وقّع مذكرة تفاهم مع الأمم المتحدة لإشراك محققين دوليين في ملفات الفساد الكبرى ذات الأولوية”.

ومن جهته قال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في بيان صدر عقب توقيع الاتفاقية إنّه سيساعد العراق في مكافحة الفساد المستشري الذي يقوّض اقتصاد البلاد ومؤسساتها، واعدا بتعيين محققين دوليين لتعليم وتدريب مراجعي الحسابات الحكوميين المكلفين بالتحقيق في قضايا الفساد.

وتبدو الخطوة سطحية لتعلّقها بحلقة واحدة من حلقات محاربة الفساد، وهي حلقة المحقّقين الذين مهما بلغت احترافيتهم، سيصطدمون بمؤسسات فاسدة ستعرقل عملهم.

والعراق من بين أكثر دول العالم فسادا، بموجب مؤشر منظمة الشفافية الدولية على مدى السنوات الماضية، ووردت تقارير مختلفة من جهات دولية بخصوص وجود حالات هدر واختلاس غير مسبوقة للمال العام.

الأجدر كف أيدي الفاسدين المحليين عن مواصلة نهب المال العام قبل مطاردة الفاسدين الموجودين بالخارج

وتتضمن المذكرة “مساعدة الجانب العراقي في الكشف عن ملفات الفساد الكبرى، وملاحقة المتورطين بها ممن فرّ خارج البلاد، وإمكانية استعادة الأموال المهربة خلال السنوات الماضية”، بحسب مسؤول عراقي.

وقال محمد حميدي عضو لجنة النزاهة البرلمانية المكلفة بمراقبة وإجراء تحقيقات بخصوص ملفات فساد لوكالة الأناضول، إن “العراق بأمسّ الحاجة إلى توقيع المذكرة مع الأمم المتحدة باعتبارها جهة دولية معنية بملاحقة وكشف ملفات الفساد”.

وأضاف “هناك ملفات فساد كبيرة وأموال بملايين الدولارات هُرّبت إلى خارج العراق، وهناك مدانون في هذه الملفات هربوا، ولا شك أن توقيع المذكرة، وإشراك محققين دوليين في الكشف عن هذه الأمور، ستكون لهما تبعات إيجابية منها إمكانية استعادة الأموال المهربة، وتسليم المتورطين”.

وعلّق نائب سابق بالبرلمان العراقي طلب عدم الكشف عن هويته على ذلك بالقول “إنّ استعادة الأموال المهرّبة إلى الخارج وجلب مهرّبيها أمر مهم، لكن الأهم والأكثر استعجالا كف أيدي ناهبي المال العام الذين مازالوا موجودين داخل العراق ويحتلون أرفع المناصب القيادية في مؤسساته”.

وتدلّ كثرة ملفات الفساد على مدى تغلغل الظاهرة في البلد على مدى سنوات، وخصوصا منذ انطلاق العملية السياسية الحالية في 2003 والقائمة على المحاصصة الطائفية وتتصدرها أحزاب دينية شيعية يتولّى قادتها أهم المناصب السياسية.

ومع كثرة هذه الملفات تثار الشكوك بشأن إمكانية معالجتها جميعا وتوفّر الآليات والمؤسسات اللاّزمة لذلك وخصوصا القضاء الشفاف والنزيه، في ظل اتهامات للقضاء نفسه بالتورّط في الفساد.

ويقبع العراق الغني بالنفط في المرتبة 161 من بين 168 دولة على مؤشر الشفافية الدولية للفساد.

وحرم الفساد الذي استشرى في العراق بعد الغزو الأميركي له وتنصيب نظام على أنقاض نظام حزب البعث بقيادة أحزاب شيعية موالية لإيران، البلد من استثمار ثرواته الطائلة في بناء اقتصاد متين وتحسين أوضاع مواطنيه وتوفير البنى التحتية الملائمة.

ومازالت البلاد تعاني من نقص الكهرباء والمياه والمدارس والمستشفيات في حين تعاني المنشآت التي يرجع عهد إقامتها إلى ما قبل 2003 من التقادم والإهمال ما جعل أغلبها خارج الخدمة.

ونحت ظاهرة الفساد في العراق منحى خطرا وأصبحت بمثابة إرهاب يقتل العراقيين بشكل مباشر.

وأثير دور الفساد مجددا في إزهاق الأرواح بعد هلاك 12 رضيعا في حريق شبّ فجر الأربعاء بمستشفى اليرموك ببغداد، وعزته أغلب المصادر إلى الإهمال وضعف البنية التحتية وقلّة الوسائل والمعدّات بما فيها وسائل الحماية والسلامة.

وذكّر البعض بأنّ ميزانية ضخمة سبق وأن أُعلن عن رصدها لتحسين البنى التحتية الصحية منذ سنوات، لكن الأموال المخصّصة لها “تبخّرت” دون أن يتحقّق أي إنجاز يذكر.

ومن الأمثلة الواضحة عن دور الفساد في قتل العراقيين، أيضا، صفقة شراء أجهزة كشف للمتفجرات تبين أنها مزيفة بعد أن ظلت لسنوات تستعمل على الطرقات وفي مداخل المدن دون نجاح في كشف الأحزمة الناسفة للانتحاريين والسيارات المفخّخة، لتكون بذلك قد تسببت في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا.

وخلال السنوات القليلة الماضية تفاقمت آثار الفساد وأصبحت عاملا مهدّدا بفشل الدولة العراقية وانهيارها حين تضافرت مع الانخفاض الحاد في عائدات النفط نتيجة انهيار أسعار الخام، وأيضا مع ارتفاع فاتورة محاربة الإرهاب بعد ظهور تنظيم داعش واحتلاله مساحات كبيرة من الأراضي العراقية.

3