العراق يعبر سنة من الفوضى دون ربان

الجمعة 2013/12/20
العراق في قلب العاصفة يفتقد قدرة الطالباني على جمع الفرقاء

بغداد - غرق العراق على مدى العام الجاري في مزيد من العنف والصراعات السياسية التي تعصف به منذ الانسحاب الأميركي نهاية 2011، وسط استمرار غياب الرئيس “الوسيط” جلال الطالباني الذي غادر قبل سنة في رحلة علاج إلى ألمانيا لم يعد منها إلى اليوم.

يفتقد العراق منذ إصابة الطالباني بجلطة دماغية في 18 ديسمبر 2012، ومغادرته إلى ألمانيا بعد يومين من ذلك، إلى مهارات “مام جلال” (العم جلال) في تقريب وجهات النظر بين نخبة السياسيين وجمعهم على طاولة واحدة، وهو ما لم يحدث رغم المحاولات المستمرة منذ عامين.

ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد إحسان الشمري لوكالة فرانس برس إن “غياب الطالباني أثّر بشكل كبير على النخبة السياسية وعلاقاتها في ما بينها، إذ أنه كان إلى حد كبير يضبط إيقاع اللعبة السياسية ولا يسمح للأمور بأن تنفلت”.

ويضيف “كانت هذه السنّة الأصعب على العراق منذ أعوام، والعراق عاشها من دون حامي الدستور وراعيه. وبدون وجود حامي الدستور، كل السلطات والمؤسسات تصبح عبارة عن فوضى”.

وانتخب الطالباني (80 عاما) رئيسا لمرحلة انتقالية في أبريل 2005 ما جعله أول رئيس كردي في تاريخ البلاد، وأعيد انتخابه في أبريل 2010 لولاية ثانية لأربع سنوات بعدما توافقت الكتل الكردية الفائزة بالانتخابات التشريعية آنذاك على ترشيحه. وبعدما ركز في ولايته الأولى على التهدئة مع جارتي العراق سوريا وإيران اللتين كانت تتهمهما الولايات المتحدة بدعم التمرد في العراق، عمل الطالباني خلال ولايته الثانية على إبقاء الحوار مفتوحا بين الفرقاء السياسيين في ظل صراع مستمر على السلطة.

وشهد العراق أزمة سياسية كبرى بدأت في يوم سفر الطالباني، حيث اعتقلت القوات الأمنية بعض أفراد حماية وزير المالية المستقيل رافع العيساوي، الشخصية النافذة، بتهم تتعلق بالإرهاب.

وأثارت عملية الاعتقال هذه التي تسببت باستقالات وزارية، استياء كبيرا بعد عام من قضية نائب الرئيس طارق الهاشمي المحكوم غيابيا بالإعدام لتهم تتعلق بالإرهاب يقول إنها كيدية وعلى خلفيات طائفية.

وانتقل الاستياء إلى الشارع سريعا، حيث شهدت وماتزال مدن عراقية عدة اعتصامات مناهضة لرئيس الحكومة نوري المالكي، الذي يحكم البلاد منذ العام 2006، وسط فشل قادة البلاد في الاجتماع حول طاولة واحدة، وهو ما يدعو إليه دائما الرئيس الطالباني.

ويقول استاذ العلوم السياسية في جامعة المستنصرية عصام الفيلي إن “الطالباني كان صمام الأمان، لأنه كان عابرا لكل الانتماءات الطائفية والقومية”.

ويتابع ان الرئيس العراقي “كان قادرا على خلق مقاربات ومبادرات سياسية كانت لتجعل، ربما، السنة التي مرت أقل سوءا”.

والى جانب الافتقاد لمهارات الطالباني، يعيش العراق منذ سنة من دون رئيس فعلي، حيث يتولى مهام الرئاسة حاليا نائب الرئيس خضير الخزاعي، استنادا إلى فقرة في الدستور العراقي تنص على أن “يحل نائب رئيس الجمهورية محل الرئيس عند غيابه”.

جلال طالباني:
* كردي من مواليد نوفمبر 1933.

* أسس الاتحاد الوطني الكردستاني في سوريا سنة 1975.

* تولى رئاسة البلاد منذ 2005، وأعيد انتخابه سنة 2010.

* فاوض الحكومة العراقية على الحكم الذاتي لإقليم كردستان سنة 1984.

لكن الدستور ينص أيضا على أن “يحل نائب رئيس الجمهورية محل الرئيس عند خلو منصبه لأي سبب كان، وعلى مجلس النواب انتخاب رئيس جديد خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوما من تاريخ الخلو”، من دون أن يحدد أسبابا معينة حتى يعتبر المنصب خاليا، أو مدة معينة لاعتبار منصب الرئاسة شاغرا.

وكان الادعاء العام في العراق دعا في مايو الماضي رئيس البرلمان أسامة النجيفي إلى انتخاب رئيس جديد للبلاد بعدما اعتبر أن منصب جلال الطالباني أصبح “خاليا” بسبب سفره ومرضه، في خطوة رفضتها اللجنة القانونية البرلمانية واعتبرتها غير دستورية مبررة ذلك بالقول إن الرئيس العراقي “غائب” فقط.

ويرى الشمري أن غياب الطالباني “وعلى الرغم من أنه لأسباب مرضية، إلا أنه أكد لنا بأن العراق يمر بأزمة دستورية”. ويوضح “هناك فجوة دستورية لم يتم التعاطي معها لأسباب عديدة، منها التحالفات السياسية الهشة، وهذا الأمر يعني أن الطالباني سيستمر في منصبه، وهو خارج العراق، لحين انتهاء ولايته” العام المقبل.

وينشر مكتب الطالباني، الذي خسر حزبه موقعه الريادي في مدينة السليمانية خلال الانتخابات المحلية الأخيرة، كل بضعة أسابيع بيانات عن صحة الرئيس مرفقة بصور له، تتحدث عن تحسن مستمر، ولا تحدد موعدا لعودته إلى البلاد، أو ما إذا كان قادرا على ممارسة مهامه بشكل كامل في حال عودته، وكان آخرها الاسبوع الماضي.

ويقول الشمري ان “صور الطالباني التي تنشر بين الحين والآخر تهدف إلى تمديد عملية غض الطرف عن موضوع إيجاد بديل له”، وهي عملية قد تثير أزمة سياسية جديدة في حال جرى طرحها بشكل جدي.

ويضيف “على كل حال، من الصعب جدا في الوقت الحالي إيجاد شخصية بديلة عن الطالباني تتمتع بالكاريزما نفسها التي يتمتع بها هو”.

3