العراق يغالب مؤامرات التفرقة بتاريخ عريق من التعايش

الثلاثاء 2014/07/22
قلعة كركوك تختزل حضارة العراق وتركيبها العرقي والإثني والديني المتنوع

منذ خلق الله أرض العراق حباها بخيرات وبركات وقدسية لتكون مهبط الأديان والرسل ولا تكون شبيهة بأيّ مكان آخر من الأرض، حيث منحها خصوصيّة التواؤم والتسامح، فعاشت على أرضها أقوام وملل ونحل مختلفة على مرّ الأزمان. فكان العراق القبلة الّتي يتوجه إليها كل من يرنو إلى حياة ملؤها الخير والطمأنينة اللذان سادا أرضه المقدسة من شماله حتى جنوبه.

عديدة هي الأقوام والأديان التي مرّت على العراق، ومختلفة هي المعتقدات التي عاشت على أرض الرافدين تحت راية الوطن الواحد، حيث كان العرب والأكراد يتعايشون مع بقية الأطياف الأخرى كالتركمان والمسيحيّين واليهود ويحملون هوية وطنية واحدة.

في هذا السياق، وكمثال على ذلك، فإنّ شمال العراق المسمّى “كردستان العراق” ضمّ كلّ هذه الأطياف السالف ذكرها، حيث أنها كانت تسكن متجاورة ومتحابة في ما بينها، بين جبال الشمال ووديانه وسهوله، لتشكل من ثمّة نسيجا متجانسا لا تسوده تفرقة ولا تمييز، ناهيك عن الزيجات التي جمعت بين أبناء الطوائف المختلفة وزادت من قوة الأواصر والروابط نتيجة تمازج الدماء، فأينعت أجيالا هويّتها العراق ووجودها تربته المقدسة، فكنت ترى العربي مرتديا اللباس الكردي، وترى الكردي يلبس الكوفية والعقال، وكذلك هو حال المسيحيّين واليهود، واشتركت اللغات وانتشرت بين أبناء هذا الفسيفساء رائع الألوان الّذي أضفى على كردستان العراق أَلَقًا قَلَّ نظيره.

الجدير بالذكر أنّ كل الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق، هي الأخرى، كانت تحتوي على أبناء هذه الأطياف المتنوعة، فكنت تجد وزراء مسيحيّين ويهودا، بالإضافة إلى الأكراد والتركمان، حيث كانت هذه الحكومات تمثل، بحقّ، الشّعب بكل أجناسه، فلا فرق بين الأديان ولا بين الأعراق ممّا زاد من التمسك بالهوية الوطنية المشتركة. أمّا منطقة “كردستان” فكانت “كردستان العراق” بكل ما تحمله هذه التسمية من معنى، حيث أنّ أبناءها كانوا ينعمون بخيرات البلد شأنهم شأن أي عراقي آخر، كلّهم سواسية كأسنان المشط.

ولكن للأسف الشديد فإنّ بعض الأطراف لم يرق لها هذا المشهد وهذا الوئام، فزرعت عملاءها لتنخر كالدّودة جسد هذه الوحدة واللحمة الأزليتين لتمزيق العراق العزيز وتفتيته طبقا لأجندات وخرائط معدّة سلفا حاكتها وبدأت بتنفيذها، مستغلة الظرف الطّارئ والحالك الذي يمر به البلد كما حدث عند تطبيق اتفاقية “سايكس بيكو” المشؤومة، حيث علت أصوات نشاز تطالب بانفصال بعض أجزاء هذه الأرض المقدسة عن الأم الّتي حنّت عليها وحافظت عليها على مر العصور ومنذ غزوات المغول التاتار إلى يومنا هذا، ولا تفتأ تهدد وتتوعد متناسية جميل العراق وفضل أهله عليهم، حيث انبرى البارزاني مهددا بالانفصال عن العراق، وقام باحتلال كركوك وآبارها النفطية وبعض أجزاء محافظة نينوى من قبل البيشمركة، اليد الضاربة، والجيش النظامي للإقليم، واعتبرها فرصته الذهبية بدل أن يقف صفا واحدا مع بغداد والجيش العراقي لإزالة هذه الغمة الآتية من خارج الحدود، والتي يعرفها القاصي والداني، ومن ثمّ الجلوس إلى طاولة العراق الموحد والتشاور للوصول إلى هدف الشعب بأسره ألا وهو وحدة العراق وسلامته.

13