العراق يفتح مع تركيا ملف المياه الشائك

أيّ أوراق تفاوضية لدى بغداد لحماية حقوقها في دجلة والفرات؟
الأربعاء 2020/08/05
لا استراتيجية عراقية لمواجهة التنعت التركي

بغداد - يستعد العراق لإعادة فتح ملف المياه مع تركيا، والذي يعتبر رغم تعقيداته الكثيرة وطابعه بالغ الحيوية، مركونا على الرفّ ومنسيا في زحمة الملفات الأخرى السياسية والاقتصادية والأمنية التي لم تنجح السلطات العراقية في حسم أي منها بشكل ناجع ونهائي.

وأعلنت وزارة الموارد المائية العراقية، الثلاثاء، أنها ستجري قريبا مباحثات مع تركيا بشأن الحصص المائية لنهري دجلة والفرات.

ويأتي ذلك في ظلّ تفاقم مشكلة المياه في البلد وتحوّلها إلى سبب من أسباب غضب الشارع من القيادة السياسية.

غير أن إثارة القضية مع تركيا لا تخلو من محاذير على رأسها التشدّد التركي في هذا الملف وإصرار حكومة حزب العدالة والتنمية على تنفيذ المزيد من المشاريع التنموية النهمة للمياه دون مراعاة مصالح الجارين العراق وسوريا.

وتخشى جهات عراقية أن تتأثر مفاوضات العراق مع تركيا بشأن المياه بموازين القوّة في علاقة بغداد بأنقرة والراجحة بقوّة لمصلحة الطرف الثاني، وهو ما يتجلّى في التدخّل العسكري التركي داخل أراضي العراق دون تنسيق مسبق مع حكومته. وهو تدخّل عجزت بغداد عن وقفه رغم تنديدها المتواصل به، إذ تطالب السلطات العراقية نظيرتها التركية منذ سنوات بإزالة القاعدة العسكرية التي تقيمها في بعشيقة قرب الموصل دون أن تلقى استجابة من الجانب التركي.

ومؤخّرا وسعت تركيا من دائرة مطاردتها لعناصر حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي العراقية وشنت عمليتين عسكريتين واسعتي النطاق إحداهما جوية والثانية برية، وقد أدانتهما بغداد أكثر من مرّة دون أن تنجح في إثناء أنقرة عن مواصلتهما.

ويقارن مراقبون بين تشدّد الحكومة التركية في ملف المياه بالتشدّد الإثيوبي في ملف سدّ النهضة والخلاف المثار حوله مع كل من مصر والسودان، لكنّ هؤلاء يتوقّعون أن يكون الرئيس التركي المعروف بتطرّفه القومي أكثر تشدّدا من الإثيوبيين.

وقال المتحدث باسم وزارة الموارد المائية العراقية، عوني ذياب، إن منسوب المياه في نهري دجلة والفرات انخفض في السنوات الماضية.

وأرجع ذلك إلى “التراجع الكبير في كميات الأمطار المتساقطة بفعل التغيرات المناخية التي يشهدها العالم” قائلا إنّ رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي كلف وزير الموارد المائية مهدي رشيد الحمداني للتفاوض مع تركيا بشأن حصص المياه في النهرين.

ضعف العراق في مواجهة التدخل العسكري التركي في أراضيه مؤشر سلبي لعدم قدرته على حماية حصته المائية

وتابع “العراق بأمسّ الحاجة إلى المياه، وعدم التوصل إلى حل قد يسبب أضرارا وخيمة”، مشيرا إلى أن الجانبين التركي والعراقي قد يتباحثان بشأن الموضوع عبر دائرة تلفزيونية مغلقة في الأيام القليلة المقبلة.

وينبع النهران من جنوب شرقي تركيا مرورا بالأراضي السورية وصولا إلى العراق حيث يلتقيان بمنطقة القرنة في الجنوب العراقي ويصبان في شط العرب.

ويشكل دجلة والفرات مصدرا رئيسيا لموارد المياه في العراق، إلا أن منسوب المياه فيهما انخفض خلال السنوات الماضية متأثرا بتراجع كبير في كميات الأمطار المتساقطة بفعل التغيرات المناخية التي يشهدها العالم، وأيضا بالمشاريع المائية الضخمة التي تقيمها تركيا عليهما في نطاق خطّتها التنموية الطموحة.

ويستغل العراق مياه دجلة والفرات لتوليد الطاقة الكهربائية وزراعة المحاصيل، فضلا عن تغذية محطات تصفية المياه.

ووفق تصريحات صحافية أدلى بها الحمداني الشهر الماضي فإن تدفق المياه في نهري دجلة والفرات انخفض هذا العام بنسبة 50 في المئة. لكنه أردف بأن انخفاض تدفق المياه ترافق مع هبوط معدل الأمطار المتساقطة بنسبة خمسين في المئة أيضا مقارنة مع العام الماضي.

ويجعل وقوع منابع أهمّ الأنهار التي يعتمد عليها العراق في توفير المياه المستخدمة في الشرب والزراعة والصناعة، في كلّ من تركيا وإيران، العراقيين تحت رحمة طهران وأنقرة اللّتين لم تتردّدا في السطو على حصّته المائية، مستغلّتين ضعف حكوماته المتعاقبة منذ سنة 2003 وانصرافها عن قضية المياه الحيوية ذات الامتدادات الاقتصادية والاجتماعية المتشابكة.

ولم تغب قضية شح المياه عن المظاهرات التي شهدها العراق في مواسم الصيف الماضية، دون أنّ يتحقّق ما طالب به المحتجّون مرارا وتكرارا في ظلّ غياب المعالجات الحكومية الناجعة للملف، وكذلك عدم امتلاك بغداد لأوراق ضغط خصوصا على تركيا بعد أن أثّرت مشاريعها الاقتصادية الكبرى على حصّة العراق المائية في نهري دجلة والفرات، على غرار سدّ أليسو الضخم المقام على نهر دجلة في منطقة الحدود بين محافظتي ماردين وشرناق التركيتين.

وعلى عكس ما هو منتظر بشأن استخدام العراق لبعض الأوراق للضغط على تركيا لاحترام حقوقه المائية، تستخدم أنقرة الملف ذاته لممارسة ضغوط عكسية على بغداد لتحصيل المزيد من المكاسب خصوصا الاقتصادية والأمنية.

ومن الأهداف التركية الحصول على ضوء أخضر لملاحقة عناصر حزب العمّال الكردستاني المصنّف إرهابيا من قبل أنقرة، بحرّية داخل الأراضي العراقية، وصولا إلى إقامة قواعد عسكرية داخل العراق، وهو ما تقوم به تركيا عمليا وتفرضه كأمر واقع ولكن دون موافقة رسمية معلنة من قبل السلطات العراقية.

كذلك تسعى أنقرة للحصول على امتيازات اقتصادية من العراق الغني بالنفط الذي تحصل تركيا على جزء منه عبر شرائه بشكل مباشر من سلطات إقليم كردستان العراق بأسعار أدنى من أسعار السوق العالمية. كما تطمح حكومة رجب طيب أردوغان إلى انتزاع عقود ضمن عملية إعادة إعمار العراق المقدّرة بعشرات المليارات من الدولارات وفتح السوق العراقية أمام المزيد من المنتجات التركية.

ويحاول العراق منذ سنوات التوصّل إل تفاهمات مع تركيا للحفاظ على حصّته المائية في دجلة وتجنّب أزمة جديدة من شأنها أن تعكّر أوضاعه الصعبة أصلا، لكن غياب الاستراتيجية الواضحة لدى الطرف العراقي منعه من تحقيق أي مكسب يذكر في هذا المجال.

وكان العراق قد اضطرّ في سنة 2018 إلى ممارسة التقشّف المائي من خلال تحديده أنواع المزوعات المسموح للفلاحين بزراعتها على أساس اختيار أقل الأنواع استهلاكا للمياه.

3