العراق يلتمس مساعدة عربية في عملية إعادة الإعمار

المملكة العربية السعودية وهي تسلك سياسة اليد الممدودة نحو العراق، تبدو على بيّنة تامّة بمدى ارتباط بغداد سياسيا بطهران وبحجم التأثير الإيراني في الداخل العراقي، ومع ذلك تختار انتهاج سياسة إيجابية، وتراهن على استعادة تدريجية للعراق إلى الحاضنة العربية عبر نسج شبكة من المصالح معه.
الجمعة 2018/01/19
"ترميم الجسور" مرحلة أساسية في إعادة الإعمار

الرياض - تتّجه أنظار الحكومة العراقية بشكل مركّز صوب عواصم الدول العربية الأكثر غنى، بحثا عن توفير جزء من الغلاف المالي الكبير المقدّر بعشرات المليارات من الدولارات لعملية إعادة إعمار ما دمّرته حرب داعش، وهي عملية ضرورية في إخراج البلد من فترة الحرب نحو مرحلة منشودة من الأمن والاستقرار والتنمية.

وينطلق في الثاني عشر من شهر فبراير القادم في العاصمة الكويتية مؤتمر دولي للمانحين لإعادة إعمار العراق تأمل بغداد في أن تكون المساهمة العربية من خلاله سخيّة لجمع ما أمكن من مبلغ المئة مليون دولار المطلوب لترميم ما دمرته الحرب.

وربط بيان حكومي عراقي زيارة قام بها وزير التخطيط سلمان الجميلي، الخميس، إلى المملكة العربية السعودية، والتقى خلالها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، بعملية إعادة الإعمار حيث ورد في البيان أنّ رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، حمّل الوزير الجميلي رسالة خطّية إلى الملك سلمان بن عبدالعزيز دعا فيها الرياض “إلى تقديم الدعم للعراق في إعادة إعمار المناطق المحررة (من داعش) وتحقيق التنمية فيها”.

ويبدو توجّه العراق إلى بلدان عربية مثل السعودية، بحثا عن تمويل مشاريع الإعمار أمرا واقعيا ومبرّرا نظرا لما تمتلكه تلك البلدان من مقدّرات مالية لا تتوفّر لغيرها وخصوصا لطهران التي تعاني بدورها مصاعب اقتصادية انعكست على الوضع الاجتماعي لمواطنيها وفجّرت غضبهم واحتجاجاتهم، غير أنّ مراقبين يلفتون إلى أنّ الأمر لا يخلو من مفارقة تتمثّل في أنّ بغداد مرتبطة سياسيا بإيران وتفتح لها بابا واسعا للتدخل في الشأن السياسي وحتّى الأمني والعسكري للعراق، فيما تتجه صوب العرب حين يتعلّق الأمر بطلب مساعدات مادّية متسائلين عن مدى تأثير ذلك على مستوى تجاوب بلدان مثل السعودية مع مطالب حكومة العبادي.

ويجيب البعض بأنّ الرياض المدركة لحجم التأثير الإيراني في العراق، تسلك سياسة اليد الممدودة باتجاه بغداد بهدف الحدّ من ذلك التأثير والعمل على استعادة البلد إلى حاضنته العربية عبر نسج شبكة من المصالح معه.

ماجد القصبي: الفرص بين السعودية والعراق كبيرة بعد غياب طويل

وأنهت السعودية ما يقارب الربع قرن من القطيعة في العلاقات مع العراق وأعادت تعيين سفير لها في بغداد، واستقبلت الرياض خلال العام الماضي عددا من الشخصيات العراقية على رأسهم رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي شهدت زيارته في أكتوبر الماضي الإعلان عن إنشاء مجلس التنسيق السعودي العراقي.

وفي أحدث خطوات التقارب السعودي العراقي أعلن ماجد القصبي، وزير التجارة والاستثمار السعودي أن سفارة بلاده في بغداد ستشرع في إصدار تأشيرات دخول العراقيين للمملكة، بدلا من إصدارها من العاصمة الأردنية عمّان.

ولفت خلال إعلانه عن هذا الإجراء الجديد إلى أنّ “الفرص بين السعودية والعراق كبيرة بعد غياب طويل”، معلنا في نفس الوقت أنّ المملكة ستتكفل بإنشاء المنفذين الحدوديين بين البلدين وتجهيزهما لتسهيل إجراءات الدخول.

وتمّ خلال استقبال الملك سلمان بن عبدالعزيز، أمس الخميس في الرياض لوزير التخطيط وزير التجارة بالوكالة سليمان الجميلي الذي يترأس الجانب العراقي في مجلس التنسيق “استعراض العلاقات الثنائية، والتأكيد على أهمية المجلس في تنمية وتعزيز التعاون بين البلدين في مختلف المجالات”، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الرسمية السعودية “واس” بشأن اللقاء.

ومن جهتها قالت وزارة التخطيط العراقية في بيان إن الوزير الجميلي سلّم الملك سلمان بن عبدالعزيز “رسالة خطية من رئيس الوزراء حيدر العبادي أشاد فيها بدور المملكة الداعم للعراق في حربه ضد الإرهاب الذي كان يهدد دول المنطقة والعالم بأسره”، مشيرا إلى أنّ العبادي دعا في رسالته إلى العاهل السعودي “المملكة إلى تقديم الدعم للعراق في إعادة الإعمار للمناطق المحررة وتحقيق التنمية إذ يحتاج العراق إلى نحو مئة مليار دولار”.

ويمثّل الجانب الأمني أحد مجالات توسيع التعاون والتنسيق بين السعودية والعراق في المرحلة القادمة إذ يواجه البلدان عددا من التهديدات المشتركة على رأسها خطر التنظيمات الإرهابية مثل تنظيم داعش الذي انهزم في العراق، لكّن فلوله وخلاياه النائمة ستظلّ تشكّل تهديدا لأمن المنطقة لسنوات قادمة.

وأعرب العبادي في رسالته وفق البيان ذاته عن أمله “أن تكون المشاركة السعودية في مؤتمر الكويت للدول المانحة بمستوى حجم وقوة العلاقات الأخوية بين البلدين”.

وقال البيان إنّ “الملك سلمان بن عبدالعزيز أكد استعداد المملكة لتقديم كل أنواع الدعم للعراق وإعانته في إعادة البناء والإعمار خلال المرحلة المقبلة”.

ودعا العاهل السعودي بحسب بيان وزارة التخطيط العراقية إلى “مضاعفة الجهود المشتركة بين البلدين لتعويض الفرص الفائتة والانطلاق إلى مرحلة جديدة تجعل من العراق أنموذجا في البناء التنموي السليم”.

ويتوقّع متابعون للشأن العراقي أن تبدي المملكة قدرا من التجاوب مع طلب المساعدة العراقية في مجال الإعمار تشجيعا لرغبة الانفتاح على المحيط العربي التي أظهرتها الحكومة العراقية الحالية بقيادة حيدر العبادي قياسا بما كان يبديه سابقه نوري المالكي من تشدّد ومبالغة في التبعية لإيران، إلاّ أنّ هؤلاء يتوقّعون أن تتريث الرياض في خطوات تقاربها مع بغداد بانتظار ما ستسفر عنه الانتخابات العراقية القادمة المقرّرة مبدئيا لشهر مايو المقبل وطبيعة الحكومة التي ستفرزها والتوجّهات التي ستسلكها تلك الحكومة في سياستها تجاه دول الإقليم.

3