العربية في يومها العالمي آفاق وتحديات جدية..

الخميس 2017/12/21

لا يختلف إثنان على دور اللغة العربية في إثراء العلوم والآداب والفكر الإنساني على مرّ العصور وإسهامها في مختلف المعارف البشرية وإغناء التنوع الثقافي والحضاري في العالم.

واستنادا إلى تلك المعطيات، جاء احتفال المنظمة العالمية للثقافة والعلوم (اليونسكو) هذا العام باليوم العالمي للغة العربية متميزا وزاخرا بالخطوات الإجرائية الواعدة، التي من شأنها أن توفر إمكانيات خلاقة لمواكبة اللغة العربية متطلبات العصر وتحريرها ولو نسبيا من المقدّس.

فقد سعت المنظمة الدولية، بواسطة جهازيها المهمين؛ مكتب تنسيق التعريب في الرباط ومجمع اللغة العربية في الشارقة، لتنفيذ خطتها الرامية إلى توسيع دائرة الاهتمام بالدراسات اللغوية والمعجمية وتشجيع الباحثين واللغويين لدراسة مستقبل اللغة العربية وعلومها.

وتعد العربية من أكثر لغات المجموعة السامية انتشارا، إذ يتحدث بها أكثر من 400 مليون نسمة يتوزعون في مختلف أرجاء العالم، وهي بالإضافة إلى أهميتها الدينية القصوى لدى المسلمين في العالم، لكونها لغة القرآن والتعاليم الإسلامية، هي أيضا من اللغات المتداولة في الشعائر والعبادات المسيحية في الكثير من الكنائس الشرقية.

واعتبرت المنظمة الدولية (اليونسكو) أن انتشار الإسلام كان له الدور الرئيس في سمو مكانة اللغة العربية، التي أصبحت لغة السياسة والعلم والأدب لقرون طويلة في الأراضي التي حكمها المسلمون، ولا بد هنا من التذكير بمقولة الباحث والمفكر والموسوعي الكبير جوستاف لوبون صاحب موسوعة حضارة العرب، بهذا الخصوص، التي اعتبر فيها العربية لغة عالمية منتشرة في جميع البلدان التي دخلها العرب، بعد أن حلّت بسرعة فائقة محل اللغات التي كانت متداولة في تلك البلاد، كالسريانية واليونانية والقبطية والبربرية.

بينما يصف فيكتور بيراز اللغة العربية وصفا شعريا مهولا يقول فيه “العربية واحدة من أغنى وأقوى وأرق وأمتن لغة، وأكثرها مرونة، فهي كنز يزخر بالمفاتن ويفيض بسحر الخيال وعجيب المجاز ورقيق الحاشية، مهذب الجوانب رائع التصوير”.

لكن على الرغم من ذلك كله، لا بد أن ندرك بأن اللغة العربية، المُحتفى بها سنويا، بأمس الحاجة للدعم والمساندة ووضع الخطط اللازمة لدرء المخاطر عنها، تلك المتمثلة في جملة المشاكل والتحديات التي تواجهها، مثل دخول اللغات الأخرى عليها ومنافستها في عقر دارها، وانتشار اللهجات العامّية المؤذية في الكثير من المناطق ودخول تلك اللهجات حتى على لغة الأدب، ناهيك عن المشاكل الكتابية والإملائية وجهل الأجيال الجديدة بقواعدها، التي لم تنجح الكثير من المساعي المبذولة لتبسيط بعضها وجعلها سهلة التناول والتعلم، بالإضافة إلى عدم وجود مرجعية منهجية ذات صفة علمية، يمكن أن تأخذ على عاتقها مهمة تبسيط بعض تلك القواعد وتسهيلها، ومحاولة فصلها عن المقدّس والتعامل معها كلغة إنسانية مجرّدة قابلة للنمو والتطور واستيعاب المصطلحات والأسماء الجديدة ومواكبة التكنولوجيا الحديثة وما نتج عنها من وسائل رقمية كثيرة، تتطلب الكثير من الجهود على الصعيد التقني، كإدخالها في البرمجيات الحديثة والمعاجم وبرامج الترجمة الإلكترونية ونظم القيادة الأساسية في الكمبيوترات وغيرها.

إن هذا النقص يحصل على الرغم من كثرة مجمعات اللغة العربية ومراكز دراساتها المتخصصة في الوطن العربي وخارجه في بعض الجامعات العالمية، إذ يهيمن في الغالب على تلك المجمعات أساتذة وعلماء أجلاء مخلصون لقضية اللغة العربية وأصولها، لكن تنقصهم في الوقت نفسه القدرة على مواكبة التطورات التكنولوجية الحديثة، الأمر الذي يتطلب الاستعانة بقدرات المتخصصين العرب الشباب في هذا الشأن، للتنسيق مع الشركات العالمية المنتجة للبرمجيات الحاسوبية، لا سيّما على صعيد إدخال القواميس العربيةـ العربية إلكترونيا على محركات البحث ومواقع الترجمة الآلية، أيضا يتطلب الأمر إشراك عدد من الفنانين العرب المتخصصين بتصميم الحروف العربية الإلكترونية وتطويرها بما يسهّل قراءتها وإدماجها في نظم القيادة المتطورة.

كاتب عراقي

14