العربي بنجلون: أنقذوا أدب الطفل من الاندثار

الأديب الروسي الراحل مكسيم غوركي يرى أن الكتابة للأطفال ينبغي أن تكون بناء على رغباتهم، حيث توجه برسالة مفتوحة يسأل فيها أطفال بلده عما يرغبون في قراءته، وجاءه الرد في أكثر من ألفي رسالة، مفادها يقول “كل شيء”. من هنا نفهم صعوبة مهمة الكتابة الموجهة إلى الطفل، لذا يرى الكثيرون من النقاد أن العديد من الكتاب والأدباء يهابون الكتابة للأطفال لأن هذا النوع من الكتابة يحتاج إلى شروط عديدة. في هذا الإطار التقت “العرب” الكاتب والأديب المغربي العربي بنجلون على هامش الدورة السادسة للجائزة العربية مصطفى عزوز لأدب الطفل التي انتظمت أواخر شهر أبريل الماضي في تونس للحديث عن مميّزات أدب الطفل والصعوبات التي يتعرض إليها كاتب هذا النوع وآفاق الكتابة للطفل، وعن العديد من المحاور الأخرى فكان هذا الحوار.
الاثنين 2015/05/11
الكتابة للأطفال وخاصة في الشعر والقصة والمسرح وغيرها ليست من السهولة بمكان

في تعريف الكاتب والأديب المغربي العربي بنجلون لأدب الطفل، يقول “أدب الطفل هو نشاط مواز للعملية التعليمية، حيث يدعمها ويحفّز الطفل على الدراسة وبناء شخصيته. إن ممارسة الكتابة في هذا النوع من الأدب تحتاج تأملا طويلا واختيارا مناسبا للنص في كل أنواعه. الكاتب المتخصص عندنا قليل ولكنه موجود.

الكثيرون يرون أنه من أصعب أنواع الكتابات، تلك التي تكون موجهة بالدرجة الأولى للطفل، عن الصعوبات التي تعترض كتّاب هذا الجنس الأدبي -إن صحّ التعبير- يقول بنجلون “في البداية لا بدّ من الإشارة إلى غياب دور النشر، إذ لا توجد دور متخصصة في تشجيع الكتابة للطفل، ولهذا نلتجئ إلى دور النشر الخارجية لاقتناء الكتب منها وترجمتها، وفي حالات أخرى تُوكلُ مهمة الكتابة إلى أشخاص لا يمتّون بصلة إلى ميدان أدب الطفل، فيعيدون كتابة الأعمال القديمة مثل نوادر جحا أو رحلات السندباد أو كليلة ودمنة. ليس هناك تجديد أو أعمال تتناول ما يفكّر فيه الطفل حاليا”.

أسلوب مخصوص

عن مميّزات أدب الطفل وشروطه، يقول بنجلون “أدب الطفل يجب أن تكون في ذهن منتجه معطيات أخرى جديرة بالاعتبار وهي العوامل التربوية والسيكولوجية والسوسيولوجية والفنية واللغوية بغية إيجاد أسلوب كتابي مناسب، وأعتقد أن الأسلوب المناسب يتمثل في مراعاة مستوى الطفل ودرجة نموه واختيار الألفاظ السهلة الواضحة، الغنية بالصور البصرية والتشويق لجلب اهتمام الطفل واستعمال أسلوب التكرار في الكتابة لتوضيح المعنى والابتعاد عن أسلوب الوعظ والإرشاد والنصح المباشر واستعمال الحوار القصصي والمسرحي الملائم، وإيجاد أسماء لأبطال القصص حتى تكون مناسبة ومعبّرة”.

الكتابة للأطفال تتطلب من الأديب أن يتحلى بمجموعة من المزايا التي تجمع بين الموهبة واكتساب الحس الطفولي

اليوم نعيش ملامح حياة تكنولوجية جديدة، حيث العالم يمر بطفرة في المجال المعلوماتي مثل الإنترنت، وتظل الكتابة مهمة صعبة أمام يسر وسائل الوصول إلى المعلومة، إلا أن العربي بنجلون يرى أن بقاء الكتابة للطفل في خضم هذا الكم الهائل من التكنولوجيات رهين الأسرة والمدرسة، حيث يقول “يجب على الأسرة والمدرسة أن يفهما الطفل أن لا شيء يعوض الكتاب ولا بد أن يدفعاه إلى التعلم والتخيّل بدل الانغماس في التكنولوجيا الحديثة التي تعطيه كل شيء وتحرمه من المشاركة الذاتية”.

وعن مدى انتشار كتاب الطفل في العالم العربي، يقول بنجلون “حسب الإحصائيات فإن الطفل العربي لا يولي أهمية للمطالعة، ولهذا فإن نسبة القراءة لا تتعدّى سطرا ونصف السطر في السنة، بينما الطفل الأميركي مثلا يقرأ كتابا ونصف الكتاب في الشهر، لهذا لا يمكننا الحديث عن كتاب الطفل في العالم العربي. لذا أنا أدعو من هذا المنبر إلى إنقاذ أدب الأطفال لأنه بالفعل سيزول وهذا أكبر خطر يهدّد ثقافتنا”.

أما عن أسباب ذلك فإن بنجلون يرى أن تركيز المدرسة على المواد الدراسية منذ الطفولة الأولى بدل أن تخصص حصصا للمطالعة وللفنون وللمسرح، فيجد الطفل متعة في هذه الأنشطة، بالإضافة إلى الأسرة التي توفر للطفل كل شيء إلا الكتاب.

التشبع بالقيم

إلى جانب اهتماماته الموجهة إلى الطفل بالأساس يكتب العربي بنجلون نصوصا مسرحية لاقت النجاح في المغرب وخارجه، عن كيفية جمعه بين الكتابتين، يقول بنجلون “أسلوب الكتابة القصصية والشعرية هو نفسه، لكني أميز بين مراحل الطفولة، فإن كان الطفل أقل من ست سنوات، فإن الكتابة له تختلف شكلا وموضوعا عن الطفل ما بعد سنّ السادسة، وهكذا بالنسبة إلى المراحل الأخرى. إن الكتابة للأطفال خاصة في الأجناس الأدبية من شعر وقصة ومسرحية وغيرها ليس من السهولة بمكان”.

أدب الطفل بقدر ما هو أداة تثقيفية وتربوية ووسيلة فعّالة من ضروب التنشئة الاجتماعية فإن علاقته بالنمو والتعلم علاقة متبادلة

لكل أدب خصوصياته، فماذا يطلب من كاتب أدب الأطفال حتى يصل إلى الطفل وينجح في مهمته الحساسة، يجيبنا بنجلون قائلا “كاتب أدب الأطفال يُطلب منه أن يكون متشبعا بقيم الأمة وثوابتها وغيورا على مكانتها ومعتزا بتاريخها وأمجادها. كما عليه أن يكون مطلعا على التراث الإنساني والوطني، خصوصا للتعرف عليه أولا ثم تنقيته وتمثل ما هو قيّم ومفيد منه.

إن أدب الطفل بقدر ما هو أداة تثقيفية وتربوية ووسيلة فعّالة من ضروب التنشئة الاجتماعية فإن علاقته بالنمو والتعلم علاقة متبادلة”.

الأدب، حسب الكثير من النقاد، كونيّ لا يخضع لمحددات جغرافية، ولكن تظل له خصوصيات إذا ما تعلق الأمر بعادات البلدان وتقاليدها، فأدب الطفل في المغرب، حسب بنجلون، هو نفسه في سائر أقطار البلدان العربية، يقول “في الغالب ما يكتب للطفل في الدول المغاربية وحتى العربية لا علاقة له بالطفل نفسه أو بالمجتمع العربي، فكلاهما مغيبان، وإن الاهتمام ينصبّ على إعادة ما كُتب سابقا سواء في الأدب العربي أو الأدب الغربي مثل سندريلا وقصة ابن طفيل والقصص الدينية وقصص الأنبياء. كل كتابة للطفل سواء كانت في الأدب أم غيره يجب أن تخضع لقدرات الأطفال ومراحل النمو وخصائص كل مرحلة”.

وعن مسألة اهتمام الإعلام بأدب الطفل، يقول بنجلون “الإعلام لا يهتم بأدب الطفل إلا في المناسبات وكثيرا ما يتجاهله لأنه يعتبره خاصا بالنشاط المدرسي، تبعا لإهمال المجتمع لثقافة الطفل وأدبه، وحتى إذا نشر خبرا عن صدور مجموعة قصصية كمثال فإنه يضعه في زاوية مهملة، بينما ينشر صورا لنساء في أعلى الصفحات، وهذا يدلّ على أن الإعلام يستهدف الربح التجاري بالدرجة الأولى على حساب الثقافة والتربية والتوعية الاجتماعية”.

وعن موضوع العلاقة التي تربط المبدع بالطفل، أي هل يستحضر الكاتب ما يريده الطفل، أم هي الخبرة والدربة؟ يجيب بنجلون قائلا “الكتابة للأطفال تتطلب من الأديب أن يتحلى بمجموعة من المزايا التي تجمع بين الموهبة واكتساب الحسّ الطفولي الذي يسمح له بالتوغل إلى عالم الطفل بعفوية ودون تكلف”.

15