العرب أمّة تحتفي بالموت وتخاصم الأحياء

غيابُ المبدع أصبح عنوانا لحضوره في الواقع الثقافي البائس.
الجمعة 2020/12/18
أمة تحتفي بالموت وتحتفل بالجنائز (لوحة للفنان سمير الصفدي)

ما أن ينتشر خبر رحيل مبدع ما، حتى يتهافت مبدعون آخرون إلى التباكي على فراقه، وقد يصل الأمر إلى حدّ الاحتفاء به راحلا من قبل المؤسسات الرسمية والنقاد والمواقع الإعلامية وغيرها، بينما لا يلقى هذا المبدع وهو على قيد الحياة إلا الإنكار والتهميش وحتى التضييق والقتل الرمزي من المبدعين والمؤسسات الرسمية، ظاهرة تبدو غاية في الغرابة. 

القاهرة – لماذا لا ينال مبدعون ومثقفون كثيرون في حياتهم ما يستحقونه من تقدير وتكريم، فيما يتحوّل موتهم إلى كرنفال صاخب للاحتفاء بهم، ويصير غيابهم بداية للالتفات إلى حضورهم، واحتضان أرواحهم، وملامسة أعمالهم بالتحليل والإشادة؟

سؤال يكرر نفسه مع كل فقد مُفجع في أي دولة عربية، وبدا في مصر ظاهرا للجميع، ولم يكن أوّله ترجُّل أمل دنقل ويحيى الطاهر عبدالله ومحمد عفيفي مطر منذ سنوات، ولن يكون آخره رحيل الكاتبين بهاء عبدالمجيد ومنار فتح الباب منذ أيام قليلة، ومن قبلهما الشاعران شريف رزق ووسام الدويك والكاتبة نجوى شعبان، وآخرون.

هل تفتح المغادرة باب المحبة على هذا النحو من التدفق المشحون بالمصداقية، والممسوس باللوعة، والمغلف أحيانا بالهستيرية والمبالغة والرغبة في جلد الذات؟ وأين كانت هذه الفيوضات الجارفة والمشاعر النبيلة والإشارات الإيجابية، في وقت كان فيه الأديب يصارع وحده طواحين الهواء، ولا يجد غير الإحباط والتهميش والتقزيم، وربما المحاربة وإهالة التراب على خطواته وطموحاته وأعماله، ألم تكن كلمة صدق، أو حتى مجاملة، كافية لتنير له عمرا إضافيّا؟

دائرة المعادلات

أمة تبدع في المراثي أكثر من المدائح
أمة تبدع في المراثي أكثر من المدائح

الأمر ليس بسيطا، ولا يمكن تلخيصه في عامل واحد فقط، هو أننا باختصار أمة تحتفي بالموت والتحنيط، وتحتفل بالجنائز والتوابيت والمومياوات، وتخاصم الأحياء، وتتفادى الإفراط في مواكب الأعراس وموائد البهجة والفرح، وتبدع في المراثي أكثر من المدائح.

ربما شكّلت تلك النزعة إلى تقديس الموت وإعلاء شأنه، بما له من تمثّلات عقائدية وامتداد تاريخي منذ الحضارة الفرعونية إلى يومنا هذا، أحد خيوط هذه الظاهرة تتعلق بشكل مباشر بالواقع الثقافي المصري والعربي البائس، هي التي لها التأثيرات الأهم بالتأكيد في جعل غياب المبدع عنوانا لحضوره.

تأتي لحظة الموت وحدها، وما أقصرها، خارج حسابات الوسط الثقافي المعقدة، ودائرة معادلاته الانتفاعية المحكمة، أما ما قبلها وما بعدها من أيام وسنوات، فهي أوقات رهينة للمعايير والملابسات التي تحكم المنظومة الثقافية برمّتها، ويصعب الفكاك من أسرها.

الشاعر أمل دنقل (1940-1983) على سبيل المثال، المغضوب عليه من الرئيس الراحل أنور السادات بعد ديوانه “لا تصالح” المعارض لاتفاقية كامب ديفيد، هو شاعر منفيّ بالضرورة خارج بؤرة الضوء في حقبة السبعينات التي كان أبرز أصواتها بلا منازع، لكنه حال وفاته في عهد الرئيس حسني مبارك صار الالتفات إلى قيمته ملائما لسياسة تنفيس جديدة، ومفادها ليقل كلّ ما يريد أن يقوله، فلن يتغير شيء.

مشهد الموت عاطفي ومثالي ليسعى المقصّرون في حق المبدع والمساهمون في اغتياله لتقديم أنفسهم كمنتحبين على غيابه

وبعد ذلك بسنوات، صار التمسّح بتجربة دنقل (الشاعر المشروع) غرضا انتفاعيّا بحدّ ذاته، يمارسه نقّاد وسلطويون يدافعون عن “شاعر الرفض”، الذي تحوّل الاقتراب منه من جريمة إلى غنيمة (مقالات جابر عصفور عن صديقه القديم نموذجا)، بل إن أرفع مؤسسات الدولة في مصر راحت تكرس لمؤتمرات تخصصية باسم الشاعر الراحل الذي لفظه النظام حيّا.

على نحو مشابه، فإن الشاعر محمد عفيفي مطر (1935-2010)، قد لقي الأمرّين على مدار مشواره، فعلى المستوى الفني تعرض للهجوم المتواصل على مشروعه الشعري التجديدي الحداثي، الذي فارق فيه التوجه الرسمي السائد لدى مجايليه الستينيين، متمردا على الجماليات المستقرة والرؤى المتعلقة بالثوابت والأحلام القومية والقضايا الكبرى الخاسرة، منحازا للفردانية والتشظي ولغة التمزق والشتات المتسقة مع انهيار الأبنية والأنساق من حوله.

على المستوى الفكري والأيديولوجي، تعرض عفيفي مطر للاعتقال وللمضايقات طويلا بسبب مواقفه الرافضة للحرب على العراق وغيرها من القضايا، وحُرم من حقه الطبيعي في نيل المكانة الأدبية كشاعر طليعي رائد، ومُنع من الجوائز وصور التكريم اللائقة.

لكن لحظة وفاته جاءت كالعادة استدرارا للدموع والتصفيق، برعاية من تجاهلوه وخذلوه أنفسهم، حيث لم يعد من الخطورة تناول دوره وتجربته والاحتفاء بمنجزه الشعري، بل والانتساب إلى أبوّته، وتصدت الهيئة المصرية العامة للكتاب لنشر أعماله، فيما وهو حي كان يلجأ عادة إلى نشر دواوينه خارج مصر.

ادّعاء الموضوعية

من حق المبدع أن ينتشي بوهج الحياة وخصوبتها وعنفوانها، وأن يكون له تاج يلبسه، لا وردة تُزرع عند قبره،
من حق المبدع أن ينتشي بوهج الحياة وخصوبتها وعنفوانها، وأن يكون له تاج يلبسه، لا وردة تُزرع عند قبره

بعيدا عن علاقة الأديب بالخطاب الجمالي والاجتماعي والسياسي، فإن حسابات الوسط الثقافي ومعادلاته النفعية تتمثل كذلك في كل ما هو خارج الفنيات المجردة، فإدارة الثقافة من جانب الموظفين وغير الموهوبين جعلت أدواتها وقيمها تقوم على المصالح المتبادلة، والأمور الشخصية، والانتفاعيات.

من هنا يمكن تفسير تهميش مبدعين وكُتّاب مهمّين من غير البارعين في هذه العلاقات، من أمثال الراحلين: الشاعر والناقد شريف رزق، والشاعر والمصور وسام الدويك، والقاصة والروائية نجوى شعبان، ومن هؤلاء بهاء عبدالمجيد أستاذ الأدب الإنجليزي، والروائية والكاتبة منار فتح الباب، اللذان رحلا منذ أيام قليلة، وكانا ينتجان أعمالهما الإبداعية في الظل الهادئ المنسيّ، وتحول موتهما المباغت إلى احتفال انفجاري عبر السوشيال ميديا ومواقع الإنترنت.

في لحظات المغادرة المؤثرة، خصوصا إذا كان الأديب الراحل من الشباب ومن ذوي القدرات الفنية والسمعة الطيبة، فإن حالة الصدق التي يفرزها الأحبّاء والمقرّبون منه والعارفون بطبيعته الإنسانية وأهميته الإبداعية، ينقضّ عليها أيضا دخلاء ومتاجرون وراغبون في غسيل السمعة.

كما أن القائمين على المؤسسات وإدارة الفعل الثقافي لن يتكلفوا شيئا بإصدار مرثيات ساخنة وتصدّر مراسم العزاء، فبالادّعاء يمكن تعويض قدر من الموضوعية الغائبة، وربما كسب تعاطف المتابعين، ومحاولة تبرئة الذمة، وتقليل الشعور بالذنب بتطهير الذات ظاهريّا.

ليس هناك ما هو أكثر من مشهد الموت عاطفية ومثالية ليسعى المقصّرون في حق المبدع، وربما المساهمون في اغتياله المعنويّ قبل الجسديّ، لتقديم أنفسهم أمام الرأي العام كمنتحبين على غيابه، ومدافعين عن أعماله، حتى إذا بردت اللحظة، انفضّ المجلس، ومضى كل مسؤول إلى كرسيّه، يراجع ملفاته الأخرى المعتادة.

من حق المبدع أن ينتشي بوهج الحياة وخصوبتها وعنفوانها، وأن يكون له تاج يلبسه، لا وردة تُزرع عند قبره، لكن هذا الحق له فاتورة يجب أن تُدفع بإنصاف، دون تلفيق وإغراض، وما أصعب أن يحدث ذلك وأندره، فالصراعات والتناحرات و”الشللية” لم تترك مجالا ثقافيّا إلا طالته ولوّثته، بما في ذلك الجوائز والشهادات والدروع وأوجه التكريم المختلفة.

15