العرب تزور إدوار الخراط في بيته بالقاهرة وتستضيف كتابا مصريين لتكريمه

الأربعاء 2013/10/30
الخراط: لا أحمل عتابا على أصدقائي ويجب أن يستمروا أصدقاء لي

القاهرة- لا تدعنا كتابات إدوار الخرّاط نطمئنّ إلي شيء ممّا نعرف، ولا إلى شيء ممّا لا نعرف، فما إن نتماسَّ معها حتى تمدّ لنا يدا تسحبنا إليها سحبا لطيفا شبيها بالخَدَر، وإذْ نبلغ عتباتها، تمدّ لنا يدا أخرى تعرّينا بها ممّا نحمل من تصوّرات عن الدّنيا وعن الفن الروائي والنقد الأدبي والجمالي، فندخلها ونحن نتمنّى ألاّ نخرج منها، وإن خرجنا، فلا نخرج إلاّ طاهرين. لكأنّ صاحب "رامة والتنين" مصرّ على القول لنا، في كلّ ما أنجز من كتب، إنّ كتابةً لا تروم تطهير قارئها من مألوفه ومعروفه لهي كتابة فاسدة. ولعلّ قدرة كتابة الخرّاط على التطهير تنهض على ثلاثة محاور: محور جرأة اللغة ومحور جدّة الفكرة ومحور تجريب الحياة.

إدوار قلتة فلتس يوسف الخراط من مواليد الإسكندرية عام 1926، تحصل على ليسانس في الحقوق عام 1946. عمل في منظمة تضامن الشعوب الأفريقية – الآسيوية ثم في اتحاد الكتّاب الأفريقيين – الآسيويين حتى العام 1983، شارك في إصدار مجموعة من المطبوعات مثل مجلة "لوتس" للأدب الأفريقي – الآسيوي، و"غاليري 68". شارك في الحركة الوطنية الثورية عام 1946 واعتقل بسبب ذلك لمدة سنتين. ترجمت رواياته الى الأنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والأسبانية.

"العرب" إذ تبادر إلى تكريم إدوار الخراط بزيارته في بيته بعد أن أطال المرض غيبته عنا، تقترح على قرّائها ملامح من مسيرته الإبداعية بأقلام مجموعة من الكتاب الذين عرفوه عن قرب.

طلب مني الشاعر نوري الجراح إجراء حوار مع المفكر والروائي إدوارد الخراط.. وسألني بدايةً عن أخباره المنقطعة فلم يكن عندي رد سوى أنني سأحاول التواصل معه.. وعقب انتهاء حواري مع الجراح وجدت نفسي أتساءل لماذا لم أجد ردا على الجراح عن حال الخراط.. انتابني الحزن لما وصل إليه حال النخبة الثقافية في مصر من عدم التواصل مع رجل في قيمة وقامة الخراط الفكرية.

وأسرعت إلى الهاتف متصلا بمنزل الخراط وكان الرد من زوجته مدام جورجيت في ذوق أن الأستاذ مجهد، ولا يمكن إجراء حوارات معه الآن. ماذا عنه الآن؟.. قالت يعاني من مشاكل في السمع يمكنك أن تتصل بعد أسبوع.. وبعد أسبوع تكرر نفس الحديث إلا أن الأمر قد انتهى بموعدٍ لمحاورته.

قبل أن أشرع في تحضير أسئلتي لإدوارد الخراط، وجدتني أتساءل: ماذا يمكنني أن أقدم للقارئ عن الخراط ليكون إضافةً لما قدمه هو؟ لا شيء.. سوى أن نطمئن على المفكر والناقد والشاعر والروائي والقاص والفنان إدوارد الخراط.

آسف لم أسمعك

بعد أن تأكد موعدي مع الخراط، وكان في حدود الساعة الثانية عشرة من ظهر أحد الأيام، توجهت قبل الموعد بساعة، فأنا غير عليم بشوارع ضاحية الزمالك.. اتجهت إلى قلب الشارع الذي يسكنه الخراط فتذكرت رحلة الخراط من الصعيد إلى الإسكندرية ومنها إلى قلب القاهرة بضاحية الزمالك. لماذا اختار الخراط أن يقطن نهاية الشارع! لماذا اختار كل هذا الهدوء! ليس هناك أيّ صوت يعلو على زقزقة العصافير فوق أشجار تملأ حافة الشارع من الجانبين.

دخلت العمارة ذات الخمسة طوابق وصعدت إلى الدور الثاني، لم تأت بعد الساعة الثانية عشرة.. انتظرت بعض الوقت أمام باب الشقة وعيناي تجوسان ما بين جرس الباب وسنابل القمح المعلقة عليه.. ضغطت زر الجرس، فتح لي الأستاذ "الخراط " وعلى وجهه ابتسامته المعهودة.. عرفته بنفسي فأشار إليّ بالدخول.

في طريقي إلى صالون البيت استقبلت عيناي مشهد مكتب ومكتبة الأستاذ وأوراقه وكتبه التي تشغل مكتب الخراط بصورة قد لا تجدها إلا عند عدد قليل من الكتاب. صورة مهيبة لفوضوية المكتب، حقيقة هي صورة نمطية لأغلب مبدعينا.. ومن ثم حلقت عيناي في أنحاء المكان؛ أوسمة وجوائز الأستاذ تحتل حيزا كبيرا من محيط المكان، وكانت السيدة جورجيت في انتظارنا ورحبت بابتسامة جميله: "تفضل بالجلوس"، وبمجرد أن جلست طلب مني الخراط أن أطرح أسئلتي.

ورحتُ أقترب من أذنه لأطرح سؤالي الأول فوجدته مبتسما وكان ردّه "آسف لم أسمعك" فما كان مني إلا أن أكتب أسئلتي على الورق ليقرأها الأستاذ ثم يجيب عنها. وجاء سؤالي الأول ماذا يتبقى من سنوات الصبا داخل جدران ذاكرتك من سوهاج وأخميم؟ أجاب الخراط وعلى وجهه ابتسامة "تمل الدنيا، وتبقى سنوات الصبا بأحداثها البسيطة". كانت الإجابة بسيطة وموجزة ومختزلة، لم يزد الخراط تفصيلات عن طفولته، ولما ألححت في أن أسمع منه أكثر قال في صوت مبهج: "خير الكلام ماقل ودل".

خلودي عابر

فضّلت أن أكتب أسئلتي منفصلة، كل واحد منها في ورقة، وبدأت أقدمها عبر الورق وأتابع في شغف كيف يقرأ في حميمية تلك الأسئلة ليجيب عنها وجاء سؤالي التالي: هل تسعى إلى الكمال والخلود في كتابتك؟ وجاء رد الخراط: "السعي إلى الكمال نعم.. لكن فكرة الخلود تحتاج إلى الكثير من النظر. وخلودي في عالمي هو أساساً عرضيّ وعابر، وحياة ماضية في سبيلها". أما عن الفن والإبداع يشير الخراط إلى "أن الإبداع ما هو إلا إعادة صياغة لشكل الوجود، وإثراء له وإضافة وليس مجرد إعادة صياغة. وإعادة الصياغة تتضمن إفراطا وغنى المادة التي تتكون منها خبرات الوجود".

هل ثمة طلاق بائن بين الفكر والفن؟ عن هذا السؤال أجابني الخراط: "لا" وأضاف: "وآمل ألا يكون هناك طلاق بين الفكر والفن، كما أرجو أن يكون الفن مكتملاً مع الفكر ليس فقط في كتاباتي بل في كل كتابة، إذا كان الفن خاليا من الفكر فإنه من الضرورة أن يصبح وعاء بلا محتوى ويصبح خالياً من المضمون، الفكر يمد الفن بمادة غنية وبطاقة أساسية". سألته: "لِمَ استخدمت الراوي في سيرتك الذاتية؟" وكانت إجابته بالقول: "أنا لم أكتب السيرة الذاتية بشكل مقصود، وإنما شذرات أو إضاءات أو لمحات منها. لكنها ليست كتابة سيرة ذاتية بالمعنى المعروف، وقد استعنت بضمير المتكلم المخاطب.. لأتكلم بمعنى أنا في كثير من الأحيان، وأحياناً أخرى يغيب "الأنا" لأسباب فنية أساساً. وسواء كان هذا أو ذاك، فالمسألة تحكمها شروط الصياغة الفنية".

عن الكتابة عبر النوعية وما وراء الواقع – الحساسية الجديدة- قال: "إن الحساسية في إيجاز هي تغير القيم الفنية التي تكمن أو تحكم العملية الفنية، والكتابة عبر النوعية هي تغير أو تحطم الحواجز بين الأنواع الأدبية بحيث يصعب وضع حدود قاطعة ومانعة بين الشعر والنثر أو بين القصة والشعر، هكذا باختصار، هذا عن الكتابة عبر النوعية، و ما وراء الواقع هو القيم التي تكمن وراء الحياة الواقعية والتي تعطي للواقع قيمة فنية ومجتمعية وليس مجرد رصد ظاهري لما يسمى الواقع".

المثقف التنويري

سألت الخراط: "هل ثمة قطيعة معرفية حدثت بين الأجيال إلى درجة قول البعض إنهم جيل بلا أساتذة؟"، فأجابني بأنه "ليس هناك جيل بلا أساتذة بمعنى وجود قطيعة معرفية بين الأجيال، وهذا ما لم يحدث أبداً. ومن يقول هذا فهو مدّعٍ؛ لأننا كنا جيلا سبقه أساتذة ثم أصبحنا أساتذة لأجيال قادمة".

وعن علاقة المثقف بالسلطة يؤكد الخراط أن "المثقف دوره الأساسي التنوير؛ فهو يعطي نتاج حركة التطور في مواجهة السلطة والتي غايتها في أغلب الأحيان الجمود. أما عن علاقته بالسلطة فهي علاقة الناقد والموجه والمعارض طوال الوقت".

وعن النقد والإبداع، قال الخراط إن "ثمة مسافة قائمة بين النقد والإبداع طوال الوقت، وهذه ظاهرة ليست غريبة. فقد اشتغلت بالنقد الأدبي كهاوٍ، ولم أكن يوماً مشغولاً بأن يشار إليّ كناقد". أكد الخراط أن الجوائز تحصيل حاصل، "تأتي بمثابة اعتراف مما يمكن أن أسميه السلطة الثقافية بدور الكاتب، ولكنها لا ينبغي أن تكون عاملاً أساسياً في إبداع الكاتب أو الفنان. والجوائز تأتي عرضاً، المهم أن تتحقق شروط العمل الفني والأدبي بغض النظر عن نتائجه على المستوى المجتمعي، وغالباً ما تكون طوق النجاة لغريق قد نجا ووصل إلى بر الأمان، هذا لا يعني أن الجوائز لا تلعب دور المحفز للكاتب لتقديم الجديد".

الإبداع والطائفية

كان ثمة سؤال ملح عليّ، وهو كيف يمكن لكاتب أن يتم تصنيفه تحت غطاء عقائدي ديني مسلم أو مسيحي أو يهودي، وجاء رد إدوارد الخراط: "أرفض كل تلك التصنيفات فأنا أفتخر بعروبتي ومصريتي.

ولا تشغلني تلك التصنيفات العقائدية فليس ثمة كاتب إسلامي وآخر مسيحي. الكاتب والمبدع هو من يطرح قضايا مجتمعه ووطنه ولغته، وأعتقد أننا في أوطاننا العربية مازال ثمة قصور في تفهم هذا وعدم الوعي بأننا نزرع بذور الطائفية دون قصد في عقول أبنائنا بتلك التصنيفات المرفوضة طبعاً. كما أرفض تقديمي على أساس أني كاتب مسيحي".

سألته: "عاصرت عبد الناصر والسادات ومبارك.. كيف تراهم الآن بعد كل هذا المشوار؟" فرد الخراط قائلا: "إن عبد الناصر سيبقى في ذاكرتنا لأنه صاحب مشروع حقيقي وحلم كبير قد يتوافق مع أحلامنا.

إلا أن ثمة أشياء لا يمكن للمبدع أياً كان أن يمررها دون أن ينتقدها، فقد كانت الحرية في عصر عبد الناصر مرهونة بحلمه، ومن اتفق حلمه مع أحلام ناصر، فهو ابن تلك الحرية ومن اختلف فهو الابن الضال، أما السادات فليس منه شيء من عبد الناصر ومبارك أكثرهم سوءاً". وعن الواقع المصري الراهن، قال الخراط: "مصر هي مصر، خالدة عبر العصور وتتحدّى الزمن، وتظل لؤلؤة في ضمير هذا العالم أو هذا الكون. هل هناك عتاب يوجّهه الخراط لأصدقائه؟ يقول: "لا شيء سوى أنهم أصدقائي ويجب أن يستمروا هكذا أصدقائي لا أحمل عتابا ولا غصة على أحد".

وختمـتُ أسئلتي معــه بموضوع ثورة يناير، فأجابني: "ليس ثمة ثورة ولكن يمكن أن تسميها انتفاضة أو حركة، وهي الحياة بكل تقلباتهــــا ومدّها وجزرها وصعودها وهبوطها".


إقرأ أيضا في العرب:


عبد المنعم رمضان: هذا زمن الحق الضائع

محمد عيد إبراهيم: إدوار الخراّط: برومثيوس الخيال

منتصر القفاش: الترحال الدائم

14