العرب حولوا المأساة إلى ملهاة وكارثة كورونا لم توحد المثقفين

المفكر حسن حماد يؤكد أن كارثة الوباء فشلت في أن توحد النخبة المثقفة في مصر ففريق يفسر الأزمة بمنطق المؤامرة فيما يراها آخرون ظاهرة طبيعية.
الثلاثاء 2020/04/07
هذا الفايروس كان عادلا

مع انتشار فايروس كورونا في مختلف الأقطار العربية، واجهنا مواقف متباينة للمثقفين أو المحسوبين على الطبقة الثقافية العربية، منهم من كان موقفه علميا حازما، ومنهم من انخرط في مواعظ دينية وأخلاقية في خطاب ديني منغلق يسعى إلى بث العنف. “العرب” كان لها هذه الوقفة مع المفكر المصري حسن حماد في تبين لما يحدث.

يؤكد المفكر حسن حماد أستاذ الفلسفة وعلم الجمال أن وباء كورونا حوّل الكرة الأرضية لأول مرة في التاريخ إلى سجن كبير وإلى مدينة مهجورة، لا تسكنها سوى المخاوف والأحزان والأشباح ورائحة الموت.

ويرى أنه سواء أكان انتشار الوباء بفعل فاعل أو بالمصادفة ففي كل الحالات تقع المسؤولية على عاتق قوى الشر التي تدير العالم بمنطق الداروينية.

فريقان متخاصمان

يوضح حماد ردا على تساؤلات: هل ثمة تجليات لعزلة كورونا على المثقف، وهل ثمة دور لهذا المثقف في هذه الأزمة، ثم كيف ترى لأبعاد أزمة كورونا على الثقافة والمثقفين، ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الأزمة في تغيير الكثير من المفاهيم الخاصة بالثقافة ودورها؟ يقول “أولا من الصعب على أي منظر أن يتحدث عن ظاهرة وهو يحيا بداخلها نحن الآن جميعا داخل فوهة البركان، فيصعب أن نتأمل الموقف أو نفلسفه”.

ويضيف “كذلك يصعب الحديث عن صورة العالم بعد كورونا، خاصة وأن الوباء لم يزل يحصد الأرواح، والصورة تبدو غائمة ومضببة، فنحن نعيش حالة من العماء الإبستمولوجي أي العماء المعرفي. وحتى محاولة فهم أسباب حدوث الوباء تبدو صعبة للغاية، ففريق يفسره بمنطق المؤامرة، وهناك من يلقي بالاتهام على الصين والبعض يتهم أميركا. وهناك فريق يرى أن الوباء ظاهرة طبيعية مرتبطة بالتطور، وتشكل وتحور وتحول الفايروسات”.

ويرى حماد أن المسؤولية تقع في كل الحالات على الإنسان الذي توهم أنه قد سخّر الطبيعة وسيطر عليها، فإذا بالطبيعة تنتقم منه. وأنا أسمي هذه الظاهرة بمكر الطبيعة. لقد أساء الإنسان التعامل مع الطبيعة وتغلب لديه دافع الدمار أو الموت على دافع الحياة، فكانت النتيجة أن الطبيعة اليوم تنتقم لنفسها.

من الصعب على أي منظر أن يتحدث عن ظاهرة وهو يحيا بداخلها نحن الآن جميعا داخل فوهة

أما عن موقف النخبة المثقفة في مصر من الوباء، فيقول حماد “كالعادة النخبة المثقفة منقسمة ما بين فصيلين أو فريقين: الفريق المتدين وفي هذا تلتقي كافة الأطياف الدينية من إخوان وسلفيين ومسلمين عاديين ومسيحيين. كل هؤلاء يلتقون حول فكرة ساذجة وبدائية جدا هي فكرة الغضب الإلهي، فالله قد غضب على أبنائه، لأنهم لم يتبعوا سننه
وابتعدوا عن تعاليمه، فأراد أن يذيقهم العذاب الأدنى وهو عذاب الدنيا. ولأنهم قد بلغوا الحد الأقصى من المعصية لذلك جاء عقابه شديدا وعظيما، فطردهم من بيوته مثلما طردهم من قبل من ملكوته، وليس أمامهم سوى الاستغفار والتوبة والدعاء له كي تنقشع الغمة”.

ويتابع “هناك فصيل متعصب من هذا الفريق خاصة من الإخوان والسلفيين فيهللون لخسائر بلاد الكفر والعلمانية في الغرب ويشمتون في فشل العلماء وعجزهم عن إيجاد مصل جديد ودواء لهذا الوباء، وهم يعلنون بفرح شديد نبأ قرب نهاية الإمبراطوريات الغربية والآسيوية ونهاية عصر العلم ليعود مرة أخرى عصر الدين”.

ويشير حماد إلى أن بعض الإسلاميين يسعى الآن إلى أسلمة كورونا، إلى حد ادعاء البعض أن القرآن قد تنبأ بموعد الوباء وقدم لنا العلاج والدواء.

 ويضيف حماد “في الجانب الآخر نجد فريقا من النخبة المثقفة خاصة من العلمانيين واللادينيين يعلنون أن كل البضاعة الدينية قد بارت وأصبحت فاسدة، فما كان يسمى بالطب النبوي فقد صلاحيته، وما كان يسمى بالإعجاز العلمي للقرآن أصبح عجزا ووهما، ولم تعد الأدعية تجدي أو تنقذ، وحتى بيوت الله التي كان يحتمي بها المؤمنون ويلوذون بها وقت المحنة أغلقت أبوابها جميعها في وجه لائذيها ولم تترك لهم بابا مفتوحا إلا وأغلقته، حتى بيت الله الحرام لم ينج من هذه النقمة، ولم يستطع الإيمان أن يكون وسيلة خلاص أو نجاة لهؤلاء”.

انتصار العلم

يقول حسن حماد “هكذا فشلت الكارثة في أن توحد النخبة المثقفة في مصر وكالعادة راح فريق يوجه للآخر الاتهامات، الفريق الأول (الديني) يتهم الثاني بالعلمانية والكفر وأنه أحد أسباب غضب الإله. أما الفريق الثاني فيتهم الأول بالتخلف والبلاهة والجهل..إلخ. وللأسف استغرقتنا هذه الصراعات الأيديولوجية وصرفتنا عن المحنة التي تهدد بقاءنا. ولم نجد من بين علمائنا ومثقفينا من يعكف على البحث عن علاج أو دواء لهذا البلاء، واكتفينا من أمرنا بهذا التناحر العبثي، وفي أحسن الأحوال قمنا بتحويل المأساة إلى ملهاة وصنعنا مادة فكاهية نتسلى بها على صفحات السوشيال ميديا في ظل عزلتنا المفروضة”.

ويرى حماد أن ثمة وجها إيجابيا للوباء ربما يكون في أنه وحّد بين جميع الشعوب من كل الثقافات والمستويات والطبقات، فعادة ما كانت الكوارث والنكبات تصيب المستضعفين في الأرض من الفقراء والبؤساء، إلا أن هذا الفايروس كان عادلا فلم يترك أحدا، فأصاب النبلاء قبل السفهاء وانتقم من الأغنياء مع الفقراء.

فلسفيا الفايروس هو نهاية لفكرة الجسد الخاص المستقل، جسدي أنا، الذي أملكه وأستطيع أن أصونه وأحميه

ويوضح حماد “فلسفيا الفايروس هو نهاية لفكرة الجسد الخاص المستقل، جسدي أنا، الذي أملكه وأستطيع أن أصونه وأحميه من المرض. فكرة الوباء أو الفايروس أو اللامرئ هذا جعلت من جسدي فضاء مباحا للهواء للأشياء لأجساد الآخرين، والتي أصبحت تغزوني من كل جانب، فالآخر هو الجحيم وفقا لعبارة سارتر، لكني لا أملك اختيارا أو حرية في أن أستقل عن هذا الآخر، الذي يواجهني ويباغتني في كل لحظة وكل حين، والذي أصبح جسده ولمسته خطرا يسلبني الحياة، ويمثل تهديدا لوجودي ليس بالمعنى المجازي فحسب، ولكن بالمعنى الفعلي أيضا”.

ويتابع “صرنا جميعا نتقاسم مصيرا مشتركا على الأرض ووجودي أصبح متعلقا بكل تفاصيل هذا العالم بأشيائه، بحيواناته، بنباتاته، بأجساد الآخرين. هذا اللامرئي الذي يسمى بالفايروس أو الميكروب يجتاحنا من الخارج والداخل، لا يتركنا ننعم بالوحدة المختارة، إنه فقط يحكم علينا بعزلة إجبارية قاسية، ويلقي بنا في منفى لااختياري اسمه الحجر الصحي. ولا مفر أمامنا سوى المقاومة والصراع، الصراع ضد كل الفايروسات الأخرى، وليس فقط كورونا، التي تحاصرنا منذ زمن بعيد: الكراهية، التعصب، اليأس، الفقر، العبودية، الظلم، القسوة، القهر، الغباء، التكفير، النرجسية، الحروب، الاستغلال، امتصاص دماء الفقراء، القمع، الإقصاء، الاحتقار والإرهاب”.

وفي النهاية يشدد حسن حماد على أنه لا خلاص لنا إلا بالعلم وبالعلم وحده ومثلما وجد العلماء من قبل دواء للأوبئة السابقة مثل الملاريا والطاعون والتيفود وسارس وغيرها من الأوبئة، سيجدون دواء لكورونا، ولن ينهزم العلم وسينتصر وستعود خفافيش الموت ودعاة الحكمة الزائفة وشيوخ الضلالة ممن يملأون حياتنا إلى جحورهم وإلى أقبيتهم وستنتصر الحياة دوما على الموت وستعود الفرحة تملأ وجوه الأطفال والكبار، ستعود لنا بهجتنا وأحلامنا وآمالنا، وسنضحك ذات يوم من كورونا مثلما ضحكنا سابقا من كافة مآسينا.

15