العرب خارج صناعة التاريخ: الغرب لا يعترف بهوية لأمة واحدة

أدت مخرجات الاختلالات الهيكلية، التي تميز تركيبة الجسد العربي، ولا سيما القطرية والتبعية والانكشاف الاستراتيجي عموما، إلى خروج العرب من صناعة التاريخ. فهذه الاختلالات عطلت الأخذ بسياسات عربية موحدة تتعامل مع التحديات المشتركة وفق رؤية واحدة، وأدوات تعبر عن القدرات العربية.
الثلاثاء 2016/02/02
هل تتغير سياسة القوى الكبرى

تفيد التجربة بأن جل المنطقة العربية كان، منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية، منطقة نفوذ مطلقة للقوى الأوروبية الكبرى آنذاك، ولا سيما المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا.

وبعد هذه الحرب، أدى تراجع الدور الدولي لهذه القوى، جراء التكلفة الاقتصادية والنفسية الباهظة للحرب، فضلا عن بروز الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة، إلى إحجام هذه القوى عن الانغماس في التفاعلات السياسية الدولية إلا بالحدود الدنيا. وقد انسحب ذلك على تفاعلاتها مع العالم العربي.

ورغم الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية التي أصبحت عليها الدول العربية عقب حرب يونيو 1967 بالنسبة إلى القوى الأوروبية الكبرى، إلا أنها لم تؤد إلى إحداث تحول في العلاقة، الثنائية، حتى حرب أكتوبر عام 1973. فمخرجات هذه الحرب، ولا سيما الحظر النفطي العربي، لم تجدد الاهتمام الأوروبي بالمنطقة العربية فحسب، وإنما أفرزت إدراكا أوروبيا قوامه جدوى رعاية المصالح الأوروبية بجهد مستقل عن الولايات المتحدة الأميركية. ومما ساعد على ذلك أن العلاقات الأوروبية – الأميركية كانت قد شابها نوع من التأزم النسبي في سبعينات القرن الماضي.

ومن أجل ضمان المصالح الأوروبية، جاءت دعوة القمة الأوروبية عام 1973 للعرب إلى ما سمي بالحوار العربي- الأوروبي، برعاية جامعة الدول العربية، والمجموعة الأوروبية، كما كانت تسمى سابقا. ومفاد الحوار مقايضة النفط، وقدرات الاقتصاد العربي، بالدعم السياسي الأوروبي للقضايا العربية.

وانتهى الحوار بالفشــل نظرا لتباين الرؤى والغايات بين الجانبين. فبينما حرصت القوى الأوروبية على أن يكون الحوار اقتصاديا مع إرضاء العرب ببعض البيانات السياسية، أرادت الدول العربية أن يكون حوارا سياسيا.

متغيرات التعاون

إن إسقاط أوروبا التعامل مع العرب، عبر جامعة الدول العربية، أفضى بها إلى تفضيل الأخذ بسلوك تعود جذوره إلى أواخر عقد الستينات من القرن الماضي، قوامه بناء علاقات ثنائية مع الدول العربية و/أو مع مجاميع إقليمية منها، ولا سيما في الخليج العربي وكذلك المغرب العربي. ويخفي هذا التفضيل إدراكا أوروبيا مفاده أن التعامل مع العرب، كإرادات متفرقة، يلغي قدرتهم على المفاوضة من مركز القوة.

في حال تم الاتفاق حول سياسات عربية موحدة، فإن تأثيرهم في سياسات القوى الكبرى حيالهم يكون فاعلا

كما تتحرك القوى الأوروبية الكبرى حيال العرب ضمن إطار مركب يجمع، في آن، بين متغيرات تدفع إلى التعاون وأخرى تدفع إلى الحد منه. فهي من جهة تولي أهمية لضمان أمن واستقرار شمال وجنوب حوض البحر المتوسط، حيث يشكل هذا الحوض حلقة وصل جغرافية ثابتة بين حدود 10 دول عربية و9 دول أوروبية. وهذه الحقيقة الجغرافية جعلت منه منطقة تفاعلات سياسية استراتيجية مهمة، فضلا عن الهاجس الأمني الذي كان عاملا مهما في اتجاه الدفع نحو تفاعلات عربية – أوروبية متعددة المضامين.

ومن جهة أخرى تسعى هذه القوى لتأمين المصالح الاقتصادية المشتركة، حيث يدرك الطرفان مدى أهمية كليهما حاضرا ومستقبلا. ففي الوقت الذي يستطيع فيه العرب تأمين الحاجيات الأوروبية من النفط العربي وسواه من القدرات، تستطيع القوى الأوروبية الكبرى إشباع بعض الحاجيات العربية للتكنولوجيا والسلاح والدعم الدولي.

لكن متغيرات التعاون تواجه محددات أميركية، وإسرائيلية، وعربية تدفع إلى الحد منها. فأما عن المحدد الأميركي فتجدر الإشارة إلى أن التعاون الذي كان ميزة العلاقات الأوروبية – الأميركية، عبر الزمان، لم يحل دون أن تعمد الولايات المتحدة الأميركية إلى توظيف هذا التعاون كسبيا للحد من تطور العلاقات العربية – الأوروبية إلى تلك الآفاق التي تجعل من بعض القوى الكبرى الأوروبية، كفرنسا مثلا، بمثابة البديل لعلاقة العرب، أو بعضهم على الأقل، مع الولايات المتحدة.

وأما المحدد الإسرائيلي فقد تجسد في الالتزام الأوروبي بضمان الأمن الإسرائيلي، ولهذا لم يكن التقرب الأوروبي من العرب مدعاة إلى قلق إسرائيلي حقيقي من آثاره على هذا الالتزام.

وأما عن المحدد العربي فيكمن في الانعكاسات السلبية للواقع العربي على سياسات القوى الكبرى الأوروبية حيال العرب. فالتشتت السياسي العربي، لم يشجع هذه القوى على الحد من توسيع هامش حركتها الإيجابية حيال القضايا الأساسية العربية فحسب، وإنما الاستمرار أيضا في دعم السياسة الأميركية حيال العرب عموما.

وبالمقابل، تفيد سياسات القوى الكبرى الجديدة، وجلها آسيوية، بأن تطلعها إلى بناء علاقات إيجابية مع العرب نابع من تأثير ثلاثة متغيرات أساسية؛ أولها، حاجتها إلى نفط العرب، وأسواقهم الواسعة، واستثماراتهم. وثانيا، انتفاء الإرث الاستعماري عن سياسات هذه القوى حيال العرب. وثالثا، نزوعها العام نحو بناء علاقات دولية إيجابية وواسعة تتيح لها الارتقاء بدورها السياسي الدولي إلى آفاق أرحب.

رغم أن سياسات هذه القوى ليست بمعزل، هي الأخرى، عن تأثير محددات داخلية وخارجية مختلفة، إلا أن عملية صنع هذه السياسات تبرز اتجاه هذه القوى إلى محاولة التوفيق بين تأثير هذه المحددات وبين مصالحها القومية العليا في أحيان، و/أو تغليب هذه المصالح على محدداتها في أحيان أخرى. ومثال ذلك، السلوك الياباني حيال العرب إثر الحظر النفطي عام 1973، حيث لم تتوان عن التقرب من العرب، تأمينا لمصالحها النفطية، رغم علاقتها الوطيدة مع الولايات المتحدة الأميركية.

القوى الأوروبية الكبرى تتحرك حيال العرب ضمن إطار يجمع، في آن، بين متغيرات تدفع إلى التعاون وأخرى تدفع إلى الحد منه

مستقبل علاقة الغرب بالدول العربية

يكمن التماثل في سياسات القوى الكبرى، التقليدية والجديدة، حيال العرب، أساسا، في السعي ضمنيا نحو تكريس الواقع العربي الراهن، وتوظيف مخرجاته لغاية قوامها ألا يستطيع العرب تحقيق تكاملهم، أو تضامنهم على الأقل، بما يفضي إلى تجميع قدراتهم، واستثمارها على ذلك النحو الذي يكرر تلك التجارب العربية، التي أدت مخرجاتها إلى إيقاع تأثير فاعل في سياسات العديد من الدول حيال العرب. على غرار تأثير الحظر النفطي العربي عام 1973 على السياسات الأوروبية واليابانية مثلا. فهذا الحظر جعل العرب قوة دولية كبرى، ولكن إلى حين نظرا للاختلالات الهيكلية التي تنخر الجسد العربي.

وفي ضوء ما تقدم، نتساءل: ما المشاهد المستقبلية، التي قد تقترن بها أنماط سلوك القوى الكبرى، بنوعيها، حيال العرب على المدى القريب؟

في ضوء مضامين أنماط تعامل القوى الكبرى، بنوعيها، مع العرب، وكذلك سمات الأداء العربي حيالها، نفترض أن مشاهد المستقبل ستتوزع على ثلاثة مشاهد أساسية؛ مشهد الاستمرارية، ومشهد التغيير الجذري، ومشهد الاستمرارية والتغيير.

فأما عن مشهد الاستمرارية، فلقد أدت الاختلالات الهيكلية العربية إلى مخرجات جعلت الأداء العربي انعكاسا لها. لذا يتطلب احتواء نتائجه، الأفقية والعمودية، توافر إرادة عربية تولي المصالح العربية المشتركة الأولوية على سواها.

وتتفاعل مع ما تقدم، مسألتان مهمتان، أولاهما أن إستراتيجيات القوى الكبرى، وكما تشير التجربة، لا تتغير إلا نادرا، ويدعم ذلك إجماع مجتمعاتها على إنجاز أهداف ومصالح ثابتة، إلى جانب أن التأثير الذي تتمتع به هذه القوى في سياسات بعض العرب ينبع من فكرة مقايضة السياسة بالمصالح المنشودة من قبلها.

وأما عن مشهد التغيير الجذري، فالوطن العربي لا يستطيع أن يكون بمعزل عن أحد قوانين الحياة، أي قانون التغيير. وتبعا لذلك، يفترض هذا المشهد أن الوطن العربي قد شهد، بروز ظروف تمهيدية إيجابية جعلته يعيش تحولا أساسيا في العلاقات العربية – العربية، وبالتالي تغييرا حاسما في القدرة على الحركة الدولية الفاعلة. وهذا التغيير سيفرض على القوى الكبرى تعاملا جديدا مع العرب قوامه احترام إرادتهم في التنمية المستدامة، والأمن، والدور الدولي الفاعل.

وينطوي التاريخ العربي المعاصر على أمثلة تؤشر على أنه في حال الاتفاق حول سياسات عربية موحدة، فإن تأثيرهم في سياسات القوى الكبرى حيالهم يكون فاعلا. ولو قدر لهذه السياسة الاستمرار، لكانت تراكماتها قد استطاعت الارتقاء عربيا إلى مستوى عال من التأثير الدولي.

وأما عن مشهد الاستمرارية والتغيير فإنه يفترض أن الدولة القطرية العربية ستعمل من أجل تشجيع العمل العربي المشترك وتطويره، ولكن ضمن مستويات محسوبة مسبقا، لا تؤدي إلى تهديد الكيان القطري ومصالحه. ومثل هذا الأداء، لا سيما في حالة عدم التراجع عنه، سينطوي على تأثير دولي مهم.

وعلى ضوء ما سبق ذكره، يبقى السؤال: أي من هذه المشاهد سيقترن به تعامل القوى الكبرى مع العرب؟

نرجح المشهد الثالث، أي الاستمرارية والتغيير، ففيما لا تبدو علاقات العرب في ما بينها بمنأى عن قانون التغيير، كذلك حال علاقات القوى الكبرى مع العرب. على أن ارتقاء العلاقات العربية – العربية نحو الأحسن، وبالإفرازات الإيجابية الناجمة عنه، على الأداء العربي الدولي، يبقى الأساس وراء دفع هذه القوى إلى إعادة هيكلة سياساتها حيال العرب وعلى نحو آخر مختلف.

أستاذ العلوم السياسية والدراسات المستقبلية

6